الولي القائدخطابات

كلمة الإمام الخامنئي المتلفزة خلال حفل تكريم لأكثر من مليون مجاهد شاركوا في مرحلة الدفاع المقدّس

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين، ولا سيما بقيّة الله في الأرضين. السّلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك. عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك. السّلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

تكريم روّاد الجهاد في «الدّفاع المقدّس» والاحتفاء بهم واجبٌ وطني

لقد اختار الإخوة أن تكون الذّكرى الأربعون لـ«الدّفاع المقدّس» يومَ «حفاوة وتكريم لمجاهدي ورواد ’الدّفاع المقدّس‘»، وهو عمل صحيح وفي مكانه. هذا التكريم، هذا الاحتفاء، جزء من واجبنا الوطني المؤكد، فضلاً عن أنه من وصايا الإسلام الأكيدة. هؤلاء، المجاهدون الروّاد الذين يجري تكريمهم اليوم، أيُّ أشخاص هم؟ إنهم أشخاص ضحّوا بحياتهم، وحملوا أرواحهم على أكفهم، وغضّوا الطّرف عن الراحة، والحياة العائلية، والأب والأم، والزوجة والأولاد، وفي بعض الأحيان عن المستقبل، وسخّروا كل ما يملكون للوقوف في وجه العدو دفاعاً عن الإسلام والبلاد. دافعوا عن الإسلام، دافعوا عن الثورة، دافعوا عن العزة والكرامة الوطنية. بعضهم عرج إلى السماء، بعضهم بقي وتابع إنجاز المهمة؛ {َمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب، 23). هذه الكوكبة من المجاهدين وروّاد الجهاد، الذين يشاركون اليوم في هذه الجلسة العامّة على مستوى البلاد، هم من هؤلاء الذين نالوا شرف الالتحاق بــ«الدّفاع المقدّس»، والتوفيق في إتمام العمل والمهمة.

شرح مختصر عن ماهيّة «الدّفاع المقدّس» وأسبابه

متى يمكننا أن نُدرك أهمية هؤلاء المجاهدين وعظمتهم؟ عندما ندرك عظمة العمل الذي فعلوه، وعظمة الساحة التي قاتلوا فيها، فعندئذ يمكننا معرفة قيمة هؤلاء. لنعرف عظمة الساحة، يجب التعرف إلى «الدّفاع المقدّس». لهذا، سأشرح باختصار ماهيّة «الدّفاع المقدّس» وأسبابه. طبعاً هو كلام ذكرناه والآخرون مراراً، لكن يجب تكراره. يجب التذكير بالحقائق مراراً وتكراراً، ولو ألف مرة، لأن التحريف أمر جدي، وخطير جدّاً، ويدُ التّحريف حاضرة.

1– هدف مثيري الحرب: إسقاط النّظام الإسلامي
2– صدّام واجهة للمحرّكين الرئيسيِّين

أولاً، كان هدف من أشعلوا الحرب وفرضوها على الشعب الإيراني هو تحطيم النظام الإسلامي وإسقاط الثورة، هذا هدفهم الرئيسي والنهائي.
ثانياً، لم يكن الطرف الرئيسي في الحرب هو صدّام (حسين) ونظامه البعثي، فهؤلاء مجرد آلة مدفوعة من المحركّين الرئيسيّين الذين استغلوا مزاج صدّام وطمعه في السلطة. نعم، هو من دخل ساحة المعركة، لكن كان يقف خلفه آخرون، أطراف رئيسيّة، قوى مثل أمريكا التي تلقت صفعة قويّة من الثورة الإسلامية، وقوى أخرى صحيح أنها لم تُطرد من إيران مثل أمريكا، ولا يمكن القول إنها خسرت مصالح ضخمة، لكنها كانت قلقة وغير راغبة في وجود عنصر جديد وهويّة جديدة في المنطقة تقوم على أساس الدين والإسلام الذي يعرفون خصائصه جيداً، ولهذا وقفوا في وجه الجمهورية الإسلاميّة. لم تكن أمريكا وحدها، بل هناك الاتحاد السوفييتي، و«حلف شمال الأطلسي» (النّاتو)، ودول أوروبا الغربية أيضاً، بل حتى دول أوروبا الشرقية وقفت ضدّنا في هذه الساحة. إنّ الوثائق التي سُرّبت بعد، وتم نشرها، تثبت وجود اتفاقات بين أمريكا وصدّام من قبل بدء الحرب، كما أنّ الدعم العسكري والاستخباراتي الكبير جدّاً كانا يصلان بانتظام إلى قوات صدّام و«حزب البعث» طوال الحرب، الأمر الذي سأشير إليه في ما بعد. لقد كنا نرى القوافل العسكرية بأمِّ أعيننا، وبصورة متواصلة. كانت السفن ترسو في مرافئ الإمارات، ثم تتحرك القوافل يومياً دون توقف من الإمارات إلى السعودية فالكويت و(أخيراً) العراق، لتُسلّم الأسلحة والعتاد لقوات صدّام حسين. هكذا كانت حال العدوّ والجبهة.

3– ضعف القوات المسلحة والمعدّات العسكرية

في الداخل أيضاً، كانت أوضاع البلاد في حال تُشجّع العدو على بدء الهجوم العسكري. لم يكن الوضع الداخلي للبلاد جيداً، ولا سيّما القوات المسلحة التي تتوجّه إليها الأنظار بالدّرجة الأولى أثناء الحروب. كان الجيش قد خرج حديثاً من نير القادة الطاغوتيين، وكان يُعيد بناء نفسه ويثبت حضوره الثّوري. طبعاً كان قادة الجيش ضبّاطاً جيدين، فأمثال الشهيد فلاحي(2) أو المرحوم ظهير نجاد(3) من شخصيات الجيش المهمة التي لها وزنها، لكنهما لم يكونا جاهزين لإدارة مؤسسة عظيمة مثل الجيش؛ لقد كانا في الواقع حديثي العهد في هذا المجال. أما «حرس الثورة»، فلم يكن قد مرّ على تأسيسه أكثر من سنة. عندما بدأت الحرب في سبتمبر (أيلول) 1980، كان عمر الحرس سنة وأشهراً، أي أنّه أُسِّس حديثاً. هكذا كان وضع القوات المسلّحة.
من ناحية التجهيزات العسكرية – ينبغي للجميع أن يتذكّروا هذا جيداً – كُنّا في منتهى الشدّة والضّيق. أولاً كانت معدّاتنا العسكرية قليلة وناقصة، والكثير منها لم يكن معروفاً للمسؤولين الجدد، وقد خسرنا بعضها بداية العدوان الذي شنّه العدو. في النتيجة، كانت إمكاناتنا قليلة جيداً. عندما أجريت جولة على الوحدات (القتالية) بعد أشهر من بدء الحرب، رأيت كيف أن لواء المدرّعات في الجيش، الذي يجب أن يمتلك 150 دبابة مثلاً، كان يمتلك أربعين فقط! هكذا كانت إمكاناتنا حتى في باقي المجالات. كذلك الأمر بالنسبة إلى «حرس الثورة» الذي افتقر إلى إمكانات كثيرة. (أصلاً) كانت إمكاناته بنادق ومدافع هاون خفيفة وهكذا. لم يكن لدينا إمكانات عسكرية أبداً، وهذا الأمر شجَّع العدو، فهو كان على معرفة بوضعنا إلى حد كبير، وهذا شجّعه على شنّ الهجوم.

4– الدور الحسّاس جدّاً والمبهر لقيادة الإمام الخميني

حسناً، بدأت الحرب المفروضة وانطلق دفاعنا المقدّس. هنا يمكن للإنسان أن يدرك الدور الحسّاس للغاية والمدهش لإمامنا (الخميني) العظيم في القيادة. في مثل هذه الظروف، كان الإمام قادراً على إدارة بداية الحرب ثم الاستمرار بهذه الحركة تحت عينيه وإرادته. البعض يُنكر ويستغرب، ويقول كيف لرجل دين مُسنّ في الثمانين أن يتمكن من إدارة القوات المسلحة. يتخيّل هؤلاء أن إدارة الإمام الحربَ وقيادته لها كانت بأن يذهب إلى مقرّات العمليات على الخطوط الأمامية، ويحرّك القوات، أو يرسل الوحدات القتالية من مكان إلى آخر. لم يكن الأمر كذلك، بل كان دور الإمام جملة من الأمور الأخرى. أولاً كان عمل الإمام المهمّ والكبير في أنه شخّصَ منذ البداية الحجم والأبعاد الحقيقية لهذه المعركة؛ عرف من البداية ماذا تعني هذه الحرب، فكثيرون منّا لم يكونوا يعرفون ذلك أو يُدركونه. في أحيان كثيرة، يحدث نزاع بين الدول المتجاورة، وهذا ليس أمراً مهماً (غالباً). لكنّ الإمام لم ينظر إلى الأمر على هذا النحو، بل عرف أن هذه الحرب ليست مجرد صراع عادي بين دولتين جارتين. لقد عرف العدوّ وشخّص من هو العدوّ الرئيسي في هذه الحرب، وأدرك أنّ صدّام مُجرّد آلة. كان الإمام يتحدث حول الحرب و«الدّفاع المقدّس» كثيراً. من الأمور التي ذكرها في كلماته حول الحرب أنّ أمريكا أسوأ من الاتحاد السوفييتي، والاتحاد السوفييتي أسوأ من أمريكا، وأنّ بريطانيا أسوأ من الاثنين معاً. أي كان يتعرض ويتوجّه في خطابه إلى الجهات التي أدرك أنها في الحقيقة هي العامل الرئيسي وراء الحرب وتديرها من خلف الستار.
ثانياً إنّ من التّشخيصات الرئيسية والمصيرية التي قدمها الإمام أنّ هذا الوضع الخطير لا يمكن أن يعالجه إلّا الشعب الإيراني، ولا يختصّ بالقوات المسلّحة فقط. حتى إن صار وضع القوات أفضل بعد، يبقى هذا العمل من مسؤوليات الشعب الذي يجب عليه أن ينزل إلى الساحة، فكما أوصل الشعب الثورة إلى مرحلة النصر، عليه كذلك أن يوصل الحرب إلى النصر. لقد شخّص الإمام هذا الأمر، وعمل على أساسه، وأوجد هذه الحركة العظيمة التي سأشير إليها لاحقاً. ثم هناك شخصيّة الإمام، والنفوذ المعنوي له، وصدقه في كلامه، فعندما كان يتكلم، كانت آثار الصدق في كلماته واضحة للجميع، وكانوا يدركون أنّه يقول الحق. أيضاً هناك نظرته الثاقبة، إذ يرى عمق الأمور، وكان مصداقاً بما تعنيه الكلمة لهذا القول: «ما يراه الشاب في المرآة (الصقيلة)، يراه الشيخ في الطوب (الأصمّ)». أحيانا كنا نرجع إليه مع بعض المسؤولين العسكريين في بعض القضايا العسكرية، وكان يُبيّن لنا بعض النقاط التي تجعل الإنسان يتعجّب، إذ كيف لمثله أن يلتفت إليها!
ثم هناك حزمه الفريد والاستثنائي في إنجاز الأمور التي كانت تبدو غير ممكنة. كان (مثلاً)  يقول بحزم: «يجب فكّ الحصار عن آبادان». عندما كانت آبادان محاصرة، كنتُ في الأهواز. أساساً مسألة فكّ الحصار عن آبادان غير قابلة للتصوّر، (لكن) الإمام كان حاسماً في ذلك. (أو يقول مثلاً): «يجب أن تُحرّر خرمشهر»، ومن قبلها «يجب أن تُحرّر سوسنگرد»، أي أن الأمور التي كانت تبدو للموجودين هناك غير ممكنة كان الإمام يطرحُها بحَسْم. على هذا النحو، كان الإمام يقود الأمور ويُديرها. للأسف، هناك غفلة عن دور الإمام في ما كُتب حول الحرب والأبحاث الخاصة بها!
أريد أن أُبيّن نُقطة أخرى من طرق تعامل الإمام مع هذه القضيّة. في الظروف المختلفة للحرب، كان الإمام يتّخذ مواقفه ويوضّح ملاحظاته الأساسيّة وفق ما يقتضيه كل ظرف. على سبيل المثال، عندما كانت تهتز معنويّات الناس إثر مسألة تقع في ساحة الحرب، ويجب رفع معنويّاتهم، يبادر الإمام ويرفع معنويات الناس ويحقّر شأن العدو. هذا ما قصده من قوله المشهور: «لصّ جاء، رمى حجراً، وهرب»(4)، أي أن مجاهدينا الذين ذهبوا إلى الجبهة يطاردون الآن العدوّ الهارب. هو يرفع معنويّات الشعب. وربما اقتضى ظرفٌ آخر أن يَحول بين المجاهدين والغرور، فمثلاً استطاع مجاهدونا بعد شهر من الجهود المضنية والاستثنائية أن يحرروا خرمشهر – في النهاية هذا إنجاز عظيم ومدهش أن تتمكن قوات الجيش والحرس والتعبئة من استعادة خرمشهر من العدو – لكن من الممكن أن يبعث هذا على الغرور. هنا ولكيلا يُولد هذا الغرور ويترك آثاره المدمرة في العاملين في كل مكان، قال الإمام: «خرمشهر حرّرها الله»، أي يريد أن يقول: نحن مجرد وسيلة، وأسندَ الأمر إلى إرادة الله وقدرته… هذا ما يجب فعله هنا. أو لنفترض في ظرف آخر: احتاج المجاهدون إلى من يتفقدهم ويُشجّعهم، فكان الإمام يرفع عزيمتهم ويقول لهم: «أُقبّل سواعدكم»(5). أي كان الإمام يراقب الأوضاع مثل الأب الحنون، والمدير القوي والعارف والمُسيطر على الساحة، فيصدر عنه كل ما هو لازم لكُلّ مرحلة. لذا يجب أن نُبرز دور الإمام في أبحاثنا والأعمال التي ننتجها. بلا شك، كان دور الإمام واضحاً.

نقاط حول «الدّفاع المقدّس» منعاً للتحريف وإلقاء الشّبهات

حسناً، بهذا الحديث المختصر، تتضح ماهيّة الحرب المفروضة وأسبابها إجمالاً. لكن أريد أن أطرح بعض النقاط حول «الدّفاع المقدّس». طبعاً هذا الكلام قيل مراراً وتكراراً لكن يجب تكراره، لأنّ يد التحريف تعمل بكل اندفاع لإلقاء الشّبهات.

1– انتصار نظام الجمهوريّة الإسلاميّة وهزيمة العدو

النقطة الأولى، كما سبق وذكرت، أنّ العدو أثار هذه الحرب لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، النظام الإسلامي، واستبدال حكومة تابعة وضعيفة وعميلة به، ليُعيد هيمنته على البلاد، لكن العدو قد هُزم. إنّ هذه المسألة الأساسية والمُهمة جدّاً، أي أنّ إيران انتصرت في الحرب أم لا، (جوابها) أن انتصار الجمهورية الإسلامية في الحرب المفروضة كان واضحاً وضوح الشمس. هل هناك نصر أكبر من هذا؟ أنْ تهاجم جميع القوى الكبرى في العالم آنذاك دولة ما، لتُسقط نظامها ولتُسيطر عليها ولتُقسَّم أراضيها – هؤلاء كانوا يخططون لفصل أجزاء من غربي البلاد وجنوب غربيّها –، وتستخدم كل قدراتها على مدى ثماني سنوات، ثمّ لم يقدروا في النهاية على فعل شيء، أليس هذا نصراً؟ لقد حقّق الشّعب الإيراني نصراً متلئلئاً.
أولاً لم يستطع هؤلاء أن يفصلوا شبراً واحداً عن أرضنا. ثانياً لم يستطيعوا أن يُرجعوا الثورة والنظام حتى خطوة واحدة إلى الوراء. بات النظام بعد الحرب وفي نهاية هذه السنوات الثماني أكثر قوّة وقدرة، وأكثر فعّالية واقتداراً من مرحلة ما قبل الحرب. هذه انتصارات عظيمة قد تحقّقت. لقد كانت إيران تخسر المعارك دائماً في عهد حكم الملوك والطواغيت، في القرن أو القرنين الأخيرين، سواء في الحكم القاجاري أو البهلوي، بل حتى في الحروب التي كانت تُعلن فيها الحياد. فقد أعلنت إيران الحياد في الحرب العالمية الأولى، ثم في الثانية، ومع هذا، تعرّضت للاحتلال في كلتا الحربين: الأول كان في العهد القاجاري والثاني في البهلوي. في الحرب العالمية الثانية، كانت القوات الأمريكية والقوات السوفييتية تستعرض عسكرياً في شوارع طهران. يجولون ويقترفون الفساد أمام أعين الناس. كانت أجزاء من شماليّ البلاد وجنوبيّها تحت سيطرتهم المباشرة. جاء رؤساء الدول الثّلاث إلى إيران دون إذن أو تأشيرة دخول، بل دون علم من قادة إيران آنذاك – الملوك الضعفاء ومن حولهم من الجهلة والعاجزين – وعقدوا اجتماعاً(6). ذهب شاه إيران، محمد رضا، ليحضر الاجتماع، فعاملوه باحتقار. عندما دخل قاعة الاجتماع، لم يقفْ كلٌّ من تشرشل(7) وروزفلت(8) احتراماً له، وإنّما نهض ستالين(9) فقط. بعد ذلك كتب الشيوعيون في مذكراتهم أن ستالين عندما رأى تجاهل الاثنين لشاه إيران نهض من مكانه ليجذبه إلى طرفه. هكذا كان وضع البلاد: مستباحة من العدو. خلال المعارك مع روسيا خسرنا القوقاز(10)، وفي الشرور التي أثارها البريطانيون في بوشهر والجنوب والخليج الفارسي، تلقينا ضربات كثيرة؛ جميع الحروب كانت على هذا النّحو: لم نربح فيها أيّ معركة. أما في عهد الجمهورية الإسلامية، فاستطاعت دولة إيران العزيزة أن تقف في وجه كل قوى العالم: الشرق، والغرب، وأوروبا، وأمريكا، والاتحاد السوفييتي، والرجعيّين… وأن تنتصر عليهم. هذه النقطة الأولى، وهي في غاية الأهمية، وجُزء من هويتنا الوطنية. عندما يُقال أحياناً، وهو كلام صحيح، إن «الدّفاع المقدّس جزء من هويتنا الوطنية»، هذا لأنّ «الدّفاع المقدّس» كانت مَظهراً لتجلي الهويّة الراقية والمُميزة لشعب إيران الذي استطاع أن يصل بالحرب إلى النصر.

2– «الدّفاع المقدّس» من أكثر تحرّكات الشّعب الإيراني عقلانية

النقطة الثانية هي أن «الدّفاع المقدّس» من أكثر أحداث الشعب الإيراني عقلانية. هناك من يستند إلى بعض الأخطاء التي وقعت في قسم ما، أو ارتكبها جمعٌ ما، ويرى أن «الدّفاع المقدّس» كانت غير عقلانية. لا، أبداً، لم يكن الأمر كذلك، بل كانت «الدّفاع المقدّس» بمنتهى التدبير والعقلانية من أوّلها إلى آخرها. إنّ الكلمات التي انطلق منها عمل «الدّفاع المقدّس» – سواء التي أوردها الإمام (الخميني) أو الآخرون – تثبت مدى عقلانية الدخول في هذا المعترك. ثمّ التعاون المشترك بين الجيش و«حرس الثورة» والأعمال التي نفّذاها. إنّها مسألة في غاية الأهميّة. في ذلك الوقت، كان الجيش مؤسسة تقليدية لها وجودها ومكانتها في البلاد، وكان الحرس مؤسسة ثورية حديثة العهد. كان عليهما أن يعملا معاً، وهذا ليس سهلاً، لكنه حدث. طبعاً بعد أن هرب (أبو الحسن) بني صدر بات هذا التعاون أفضل وأكمل. رأيت بنفسي المرحوم الشهيد (غلام علي) بيجك في معسكر «أبو ذرّ». كان نائباً لقائد ذلك المعسكر الذي لم أعد أذكر اسم قائده. كان قائد المعسكر من الجيش، ونائبه من الحرس، وكانا يعملان ويعيشان معاً. كان «أبو ذرّ» من المواقع الحسّاسة غربي البلاد، وتُدار الكثير من ساحات المعارك من هناك. بعدما تبدّلت الأوضاع وهرب بني صدر، واستلم الإمام قيادة الحرب، بات التعاون بين الجيش والحرس أكثر وضوحاً، في: عمليات «الإمام الرضا»، فكّ الحصار عن آبادان، عمليات «الفتح المبين»، عمليات «بيت المقدّس»، وبعد ذلك عمليات «خيبر» و«بدر وغيرها». لقد كانت أعمالاً عظيمة. هل يمكن أن نجد عملاً أكثر عقلانية وتدبيراً من هذا؟ ثم هناك اللجوء إلى تكتيكات شجاعة ومبتكرة واستثنائية. مثلاً التكتيكات القتالية التي استُعملت في «الفتح المبين»، أي أن تتمكن القوات المسلّحة للجمهورية الإسلامية بكل شجاعة من اختراق صفوف العدو، ومهاجمته من الخلف، وإلحاق الهزيمة به. هذه التكتيكات مبتكرة. الكثير من الأعمال العظيمة والتكتيكات الجديدة نُفذت في عمليات «بيت المقدّس». في الدّفاع الجوي، قام الشهيد (منصور) ستّاري خلال أيام على ابتكارات استثنائية في عمليات «والفجر 8». العبور من نهر أروند في هذه العمليات كان عملاً عظيماً أيضاً. هذه الأعمال كُلّها عظيمة وعقلانية وتنمّ عن تدبير، وقلّما تجد قوات مسلحة تستطيع أن تُسيّر الأمور بهذه القدرات الفكرية وهذا الاقتدار المعنوي والتّدبير. حتى الموافقة على القرار الأممي في نهاية المطاف، في تلك الظروف التي عبّر عنها الإمام بالقول: «تجرعاً لكأس السم»، كانت أمراً عقلانياً وحكيماً أيضاً. في تلك المرحلة، كان ذلك القرار حكيماً ويجب اتّخاذه. لو لم يكن قراراً عاقلاً وحكيماً، ما اتّخذه الإمام. کنّا نرى الأمور عن قرب، ونعلم ما الذي يجري. بناء على هذا، كان موضوع «الدّفاع المقدّس» من البداية حتى النهاية حدثاً عقلانياً، بل من أكثر تحرّكات الشعب الإيراني عقلانية، فيجب الحذر من عمليات التّحريف في هذا الموضوع.

3– تقديم أنموذج جديد عن المشاركة الشعبية  في «الدّفاع المقدّس»، وتفجّر الطاقات

النقطة الثالثة: استطاعت «الدّفاع المقدّس» أن تقدم ـنموذجاً جديداً عن المشاركة الشعبية. كانت طريقة مشاركة الناس مذهلة وأساساً لتفتّح المواهب، وسأتحدث عن كل واحد من هذين الأمرين باختصار.
أولاً استطاع كل أفراد الشعب الراغبون في المشاركة على هذا الصعيد، أياً كانوا، أن يجدوا لهم مكاناً ضمن هذه الحركة التطوعية والحيّة والفعّالة والمفعمة بالحماسة. مثلاً المقاتل في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة الذي وصل إلى الجبهة بتزوير البطاقة الشخصية استطاع أن يجد له مكاناً هناك، ولم يجلس دون عمل، فكان يأتي بالماء للمقاتلين، أو ينقل الرسائل والأخبار، وغيرها من الأعمال. كذلك الشيخ المسنّ، ابن السبعين، يذهب إلى الجبهة، ويجد ما يفعله. فما يُنتظر من رجل مسنّ في الجبهة كان واضحاً ومعلوماً؛ لم يكن أحد بلا عمل، لا الطفل ابن الثالثة عشرة، ولا المسنّ ابن السبعين. أو مثلاً التلميذة في الثامنة أو التاسعة أو العاشرة – في المرحلة الابتدائية – التي كانت تريد أن تشارك في هذا العمل كانت تجد لها مكاناً، فتُمسك ورقة وتكتب رسالة إلى أخيها المجاهد المجهول، وتضع هذه الرسالة في صناديق الطعام والهدايا التي يرسلها الناس إلى الجبهة. كثيراً ما كان يحدث أن يفتح أحد المجاهدين في ساحة المعركة صندوق الطعام، فيجد فيه رسالة، فيقرؤها ليجد أنها مرسلة من طفلة في السابعة أو الثامنة أو العاشرة، كتبت فيها: «أخي المجاهد! قوّاك الله، أنا أدعو لك»… وغيرها من العبارات. أي حتى الطفلة الصغيرة استطاعت المشاركة هنا. كما كان يمكن لسيّدة محترمة أن تشارك بتقديمها العون إلى المجاهدين خلف خطوط الجبهة، بالخياطة أو الطّبخ أو صناعة المربى أو المخلّل أو الخبز أو غسل الثياب. أنا شخصياً ذهبت إلى الأهواز أيام الحرب، ورأيت في إحدى النقاط جمعاً من السيّدات المحترمات كنّ يغسلن ثياب المجاهدين المتسخة. الكل كان يجد سبيلاً للمشاركة وأداء عمل ما. الأطباء الجراحون كان بإمكانهم أن يشاركوا، وقد شاركوا، ورأيناهم هناك. التاجر، رجل الدّين، عمال المصانع، الشاعر، المنشد، السّائق، الحرفيّ، المزارع القروي، الموظّف… كل أصناف الناس كان بإمكانهم أن يشاركوا في هذه الحركة الشعبية العظيمة. كان هذا أنموذجاً جديداً ليس له نظير في العالم. لقد قرأنا كتباً كثيرة حول الحروب، وعُرضت أفلام كثيرة لكننا لم نقرأ ولم نجد في أنحاء العالم أنموذجاً مشابهاً لهذه التّعبئة الشعبية العظيمة. كان أنموذجاً جديداً وفريداً استطاع الجميع فيه أن يساعدوا وأن يؤازروا، وأن يُقدِّموا العون وأنواع الخدمات.
ثم على إثر هذه الحركة الجماعية كم ظهرت من طاقات ومواهب! على سبيل المثال، ينهض شاب من قرية من نقطة ما في البلاد – قرية من (محافظة) كرمان مثلاً – ويأتي إلى المدينة، وينضمّ إلى هذه الحركة، ليصبح في ما بعد الحاجّ قاسم سليماني. لقد كانت حركة عظيمة. أو مثلاً ذاك الطالب الجامعي الشاب، من دون أن يكون قد أمسك البندقية بيده حتى مرة واحدة، ويذهب إلى الجبهة تطوّعاً، وفي أحداث الجبهة، وخلال سنة ونصف مثلاً، يصير عضواً بارزاً ومؤثراً في أحد المقرات العسكرية الرفيعة المستوى. أو مثلاً شاب يعمل في إحدى الصحف وينشط في عمل النّشرات، فيذهب إلى الجبهة، وبعد مدة قصيرة يصير الشهيد حسن باقري، النابغة في استخبارات الحرب. لقد شوهدت مثل هذه الحالات العجيبة وظهور هكذا مواهب. والوجوه التي خلّدتها الحرب وشهداؤها العظام هي من قبيل هؤلاء. لقد رأينا ضباطاً شباباً، على سبيل المثال الشهيد صياد (شيرازي) الذي كنت أعرفه وأراه من بدايات الثورة، فعلى ما أظن كان في ذلك الوقت ضابطاً شاباً برتبة ملازم أول، أو نقيب، وكان يتردد علينا ويزورنا. هكذا شخص يصير في ما بعد قائداً مخضرماً استطاع أن يقود القوات البرية في الجيش لمدة طويلة، وأن يتقدم بها بذلك الأسلوب، وأن يشارك في أعظم الأعمال (القتالية). كذلك كان الشهيد (عبّاس) بابائي وآخرون من أمثالهم. هذا الأنموذج المُبتكَر للمشاركة الشعبية يمكن استحضاره دائماً. واليوم يمكننا ذلك. إذا هممنا ونظرنا إلى الشعب والمسائل بطريقة صحيحة، نستطيع أن نستفيد من هذا الأنموذج. طبعاً وضعيّة الحرب مختلفة، ووضعيّة الاقتصاد وضعيّة أخرى. يمكن لأصحاب الفكر أن ينظروا إلى هذا (الأنموذج( على أنه وسيلة للاقتدار الوطني، وأن يتّبعوه. في ذلك الوقت، كانت أهمية الدور لما خلف الجبهة في هذا الأنموذج كأهمية الجبهة نفسها، لأنه لا يمكن للجميع أن يحملوا البنادق، فالرغبات والميول والقدرات مختلفة. يمكن لبعضهم أن يؤدّوا دوراً خلف الجبهة، ولقد أدّوا ذلك الدور. أولاً كان الدعم المالي وإيصال المُؤن مهماً ومؤثراً جدّاً، ثم إسعاف الجرحى… إلى تشييع الشهداء على نحو مهيب. لقد قلتها مراراً: لو لم يحدث هكذا تكريم وتجليل للشهداء، ما كان ليشتعل الشوق للشهادة في القلوب على النحو الذي جرى. عندما كان جثمان الشهيد – أو واحد أو أكثر – يدخل المدينة، كانت المشاركة الواسعة للناس في استقبال جثامين الشهداء وتشييعها إلى مثواها بحد ذاتها من الأحداث المهمّة والمراسم المؤثرة جدّاً. (وأيضاً) الدعم الثقافي والإعلامي، من الشعر والشعارات إلى إحباط عمليات الحرب النفسية للأعداء –  كان العدو دائماً مُنكبّاً على الحرب النفسية، وهناك في المدن والقرى من يتصدّى لها – ثم استضافة مهجّري الحرب وإسكانهم، إلى ثبات الناس في مدنهم في بعض المناطق التي كانت تحت القصف الصاروخي للعدو مثل دزفول. من أهمّ مفاخر الصّمود خلف الجبهة بقاء الأهالي في بعض المدن، سواء في كردستان أو خوزستان أو باقي المحافظات، فقد بقي الناس في بعضها داخل المدينة رغم كونها مكاناً لهجوم عنيف ومتواصل من العدو.

4– ظهور أعلى المراتب في الفضائل الأخلاقية والعروج المعنوي

النقطة الرابعة: في «الدّفاع المقدّس»، برزت أعلى مراتب الفضائل الأخلاقية والعروج المعنوي والارتقاء الروحي. في الحقيقة، لا يمكن العثور على شبيه لذلك. نعم، يوجد هنا وهناك، هي موجودة في كل مكان، لكن أن تظهر الفضائل الأخلاقية وأبعاد الارتقاء المعنوي والروحيّات الدينية وما شابه بهذه الكثرة وهذا العدد، فأنا لم أجد مثيلاً لذلك في أي مكان إلّا في جبهات «الدّفاع المقدّس». السِيَر التي كُتبت تُظهر هذه الخصوصيات، والوصايا أيضاً، والأحوال التي كانت تُنقل عن بعض المجاهدين، (كلّها) تُظهر ذلك. الفضائل الأخلاقية مثل المودّة والصّدق والصّفاء. أساساً كانت الجبهة منطقة للصّدق والصّفاء، فالجميع كانوا يعيشون الصفاء بينهم. الإخلاص والعمل لله… كان هناك أشخاص يتدرّبون على الإخلاص، وفي الوقت نفسه يُثبتون إخلاصهم في العمل لله هناك. التواضع وخدمة الآخرين… يقرأ المرء في السِيَر مثلاً أنّ مجموعة كانوا نائمين في خيمتهم ليلاً، وعندما يستيقظون في الصباح، يجدون أحذيتهم العسكرية مُلمّعة. من الذي لمّعها؟ غير معلوم. بعد التحرّي، يُعلم أن قائد السّرية مثلاً أو المجموعة جاء ليلاً ولمّع جميع الأحذية، أو غسل ثيابهم التي كانوا قد جمعوها ليغسلوها، أو نظّف لهم المَرافق. هذا التواضع وهذه الخدمة وروح الخدمة والإيثار والتضحية والفداء إنّها أمور عجيبة. وبعد ذلك تلك الحالات المعنوية، وذاك البكاء في جوف الليل، وقيام الليل، وتلك الحماسة، والعشق التوحيدي، وذاك العزوف عن الزخارف الدنيوية، والارتباط الغيبيّ في بعض الحالات. بعض هؤلاء الأعزاء، هؤلاء الشباب العارفين – العارفين بالمعنى الحقيقي للكلمة، العارفين المتّصلين – وصل بهم الأمر في الجبهة أن يروا المستقبل ويخبروا عنه: عن شهادتهم، عن شهادة أصدقائهم، عن الأحداث التي يمكن أن تصير. هذه الأشياء ذكرت في سِيَر المجاهدين، وهي مهمة جدّاً.
طبعاً من الواضح أن هذه النقطة تعود إلى بَركة الإسلام أكثر من سائر النقاط التي ذكرتها. وأيضاً بروز النقاط الأخرى وتألّقها كانا ببركة الإيمان الديني طبعاً، لكن هذه النقطة على الخصوص تتعلق بتسليم القلب لله، وبقضية الإسلام، وبمسألة الإيمان الديني. بالفعل، يقف الإنسان حائراً أمام تأثير هذا الإيمان العميق. أو (مثلاً معنويات) أمّهات الشهداء. طبعاً، أنا وأنتم لا يمكننا أن ندرك شعور الأمومة أساساً، وبالفعل لا أحد يستطيع أن يدرك شعور الأمومة إلّا الأمّ نفسها. ثم تأتي هذه الأمّ وترسل ابنها الشاب إلى الجبهة، وعندما يأتي الشاب ويطلب من أمه أن تأذن له بالذهاب، تقول له: لأنك تريد الذهاب من أجل الإسلام فاذهب، اذهب من أجل الإسلام. وعندما يُحضرون جثمان هذا الشاب نفسه، تفرح الأم بأنها قدّمته في سبيل الله، فتقول لقد قدّمتُ هذا في سبيل الله. الحمد الله، كان لي التوفيق بالجلوس كثيراً مع عائلات الشهداء وأمهاتهم وآبائهم. فيلاحظ الإنسان في موارد كثيرة، لا تُعدّ ولا تحصى، أيّ معنويات وأيّ حالات وأيّ إيثار تتمتع به أمهات الشهداء! ما كان هذا ليكون لولا بَركة الإسلام وهذه التضحيات العظيمة التي تُشكّل فصلاً ناصعاً في كتاب «الدّفاع المقدّس» الضخم. هذه نقطة (مهمة) أيضاً.

5– «الدّفاع المقدّس» والمكاسب التي حققتها للبلاد

النقطة الخامسة: إن «الدّفاع المقدّس» صنعت مكاسب ثمينة للبلاد. «الدّفاع المقدّس» جَلبَت أشياء كثيرة. أولاً أمن البلاد هو ببركة «الدّفاع المقدّس» (التي) أثبتت للأعداء أن تكلفة الاعتداء والتعرض لهذه البلاد كبيرة جدّاً. هذا أُثبت بـ«الدّفاع المقدّس»، وهو ما يمنح الأمن لأيّ بلد. عندما يثبت أيُّ شعب أن لديه الهمّة والقدرة للدفاع عن نفسه، وأن يردّ على المعتدي بردٍّ ساحق، هذا يجعل العدو يفكر ملياً قبل أن يرتكب عدوانه على هذا البلد وهذا الشعب، وإذا أراد أن يحسبها بعقلانية، سيفهم أن هذا العمل ليس مجدياً وسيكلّفه كثيراً. هذا الأمن متعلّق بذلك. ثانياً أنها مَنحَت شعبنا روح الإيمان بالذّات. هذا الإيمان بالذّات الذي ترونه اليوم أحياناً، ولحسن الحظ عند كثيرين من أبناء شعبنا، في ساحة العلم وفي مختلف الساحات – كالصناعة وغيرها – يعود أساساً إلى «الدّفاع المقدّس». فمثلاً عندما ينهض شاب يبلغ من العمر العشرين ونيّفاً، ويقود خلفه مجموعة أو فرقة عسكرية بكل اقتدار وثقة بالنفس تامّين، ويوجّه ضربة موجعة إلى العدو، هذا يمنح الناس الإيمان بالذّات. ولقد استطاعت «الدّفاع المقدّس» أن تُثبت أنّها تستطيع إخراج الشعب الإيراني من الأزمات مرفوع الرأس، كأزمة الحرب المفروضة.
ثم إن هذه الحركة باتّجاه الإبداع التقني والعلمي التي حققناها هي أيضاً من مكاسب «الدّفاع المقدّس»، لأننا كنا فيها بحاجة إلى أشياء كثيرة، ولم نكن نملكها ولم نملك إمكاناتها، فتحرّكت الطاقات المؤمنة والمُضحّية وذهبت تفكّر في صناعتها. مثلاً قام الشهيد حسن (طهراني) مُقدَّم في تلك الأوقات وعمل في مرحلة على صناعة الصواريخ بإتقان، إذ إنّه وآخرين قالوا لنا: تعالوا وزورونا، وقد ذهبنا إلى هناك ورأينا كيف انطلقوا بهذا العمل. طبعاً نحن كنا نحتاج إلى الصواريخ، ولم تكن تُعطى لنا، في حين أن العدو لديه صواريخ ويقصفنا بها. هذا الأمر جعل الطاقات الخلّاقة عندنا تفكر في أن تقوم على عمل ما، وفعلوا ذلك، وأدّوا عملاً جيّداً واستطاعوا فعله على أحسن وجه، ولا يزالون إلى يومنا طبعاً، وهو أمر واضح. هذا بالنسبة إلى موضوع الحركة باتّجاه الإبداع.
وهناك الإقدام على أعمال تبدو غير ممكنة في الظاهر، وهذا الأمر علّمتنا إيّاه «الدّفاع المقدّس» أيضاً. فهي صنعت لنا هذا المكسب: أن نعرف أنّ الكثير من الأشياء التي تبدو مستحيلة في الظاهر يمكن أن تتحقق فعليّاً، إذا عزمنا. لقد تعلمنا هذا في «الدّفاع المقدّس»، وهو من ذخائرنا المهمة.
فضلاً عن هذا ارتقت «الدّفاع المقدّس» بثرواتنا البشرية. ولحسن الحظ، الكثير من العناصر الذين حضروا في سنوات «الدّفاع المقدّس» الثماني وبعدها – يعني في الأمس والحاضر وفي المستقبل، إن شاء الله – هناك منهم أفراد كثيرون ولا يزالون يخدمون في القطاعات المختلفة والمتنوّعة في البلاد، وشهيدنا العزيز قاسم سليماني كان أنموذجاً عن ذلك، فقد كان له نشاطات مذهلة على الصعيد الدبلوماسي والدولي، والمنطقة. في الحقيقة، إلى الآن لا يَعرف الكثير من الأصدقاء والإخوة المؤمنين والشعب الإيراني عن مدى نشاط الشهيد سليماني ونطاقه. إنهم يعرفون بعض الأشياء مثل وجوده في بعض الجبهات، أما تفاصيل نشاطه وجزئياته، فهي أكثر من ذلك بكثير. ربما يُكشف عنها في المستقبل بالتدريج، إن شاء الله. كان أنموذجاً عن الثروة البشرية التي صُنعت في الحرب، أي أن الأساس لأمثال قاسم سليماني كان في الحرب، ووُضع في مرحلة «الدّفاع المقدّس». هذه نقطة (مهمة) أيضاً.

6– فضح الغرب وإظهاره على حقيقته

من المكاسب الأخرى التي قدّمتها مرحلة «الدّفاع المقدّس» أنها عرّفتنا حقيقة الحضارة الغربية المُزيّنة وواقعها. طبعاً، لأنّ الشعب الإيراني تلقى سابقاً ضربات من الغربيّين – من البريطانيّين على نحو، ومن الأمريكيّين على نحو آخر – وكان على معرفة بهم إلى حدّ ما، لكن ليس بقدر المعرفة التي عرفها بـ«الدّفاع المقدّس».
طبعاً، كان هناك مشاهد كثيرة في الماضي لمس الشعب الإيراني عبرها من قرب مدى عناد الدول الغربية وخيانتها، مثل احتلال بعض أجزاء البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، واحتلال بعض آخر بعد الحرب الثانية، وألاعيب البريطانيّين وخباثتهم في الجنوب وبوشهر والخليج الفارسي، في قضية حرب إيران وبعض القوى الأخرى، وفي قضية أفغانستان أيضاً. لقد لمس الشعب الإيراني مدى خيانة الدول الغربية في كل هذه الأحداث، لكن ليس بدرجة ما عرفه عنهم في «الدّفاع المقدّس». ما رأيناه في «الدّفاع المقدّس»، إنْ لم نقل أكثر من ذلك، الشيء الذي رأيناه في الماضي من الغربيين على مدى سنين طويلة ليس أقل منه، بل كان يساويه أو يفوقه. كان الغرب ضدنا بوجهيه، أي ليس الغرب الرأسمالي فقط، بل الغرب الرأسمالي والغرب الشيوعي. فالشيوعية أيضاً من منتجات الغرب. لقد عملت إنجلترا ضدنا في الحرب، وكذلك فعلت فرنسا بجديّة، وألمانيا أيضاً، ويوغوسلافيا أيضاً مع أنها كانت محسوبة على المعسكر الشرقي، والاتحاد السوفييتي، طبعاً، كان دوره واضحاً. إنّ جميع الغربيّين كانوا يحرموننا أقلّ الإمكانات. حقاً كانوا يحرموننا أقلّ الإمكانات! لم نحصل على أيّ شيء من الخارج. حتى الأسلحة الخفيفة، بل حتى الذخائر، لم نحصل عليها بسهولة. [أما] للطرف المقابل، فكانوا يعطونه كل شيء. من طائرات «ميراج» القاذفة إلى طائرة «سوبر اتندارد» لقصف السفن، إلى تزويده بالمعلومات عبر الأقمار الاصطناعية عن أماكن تجمّع قوّاتنا وتحرّكاتها، وإلى المال والدبابات ومختلف الأنواع… وضعوا كلّ شيء في تصرّف العدو، إلى السّلاح الكيميائي! حتى أنّهم زودوه بالسلاح الكيميائي، واستخدم صدّام السلاح الكيميائي ضدنا وضد شعبه. فصدّام استخدم السلاح الكيميائي في حلبجة، وطبعاً استخدمه على بلدنا بكثرة. هذا يعني أنّ الغربيّين والأوروبيّين داسوا بذلك على كلّ ادعاءاتهم الإنسانيّة وحقوق البشر، وناقضوا كلّ هذه الادعاءات بتقديمهم الدعم إلى نظام صدّام الفاسد والقمعيّ والعدو للإنسانية. إن هذه المعرفة العميقة هي مكسب كبير لنا. فيجب علينا أن نفهم وندرك حقاً أن هذه هي حقيقة الغربيّين، وأن نتخذ قراراتنا ونفكّر، ونعمل على أساس هذه المعرفة.

7– ظهور قدرات الشّعب الإيراني وطاقاته للعالم بأسره

آخر نقطة أريد الحديث حولها هي أن هناك حدثاً عظيماً جرى في «الدّفاع المقدّس»، وهو أن ظَهر للعالم مدى قدرات الشعب الإيراني وطاقاته. يعني بَلَغهم ذلك. كانت جميع وسائل الإعلام في العالم ضدنا. وسائل الإعلام في العالم كانت ضد الثورة الإسلامية، واليوم الوضع كذلك، وفي تلك الأيام، كان كذلك. في بدايات الثورة الإسلامية، كانت وسائل الإعلام الرسمية في العالم تلجأ إلى الكذب، أو كتمان النّقاط الإيجابية، أو التّهم الباطلة بحق الجميع، من شخص الإمام (الخميني) إلى حكومة الجمهورية الإسلامية، إلى النظام الإسلامي، إلى السلطة القضائية، وأفراد الشعب، والجميع، إلى القوات المسلحة وآخرين. كانوا يعملون ضد هؤلاء ويريدون أن يسقطوا الشعب الإيراني من أعين الشعوب في العالم وأن يقدّموا صورة سيّئة عنه. لقد تحوّلت «الدّفاع المقدّس» إلى وسيلة إعلامية بليغة، وصوت عالٍ، لكي تُظهر حقائق الشعب الإيراني. لقد صنعت منزلة للشعب الإيراني وأظهرت للعالم أجمع مدى شجاعة الشعب ومقاومته. كان هذا في الواقع حدثاً عظيماً ومهماً. لقد أظهر للعالم مدى تلاحمنا الوطني وحجم الدعم والتّأييد الشعبي خلف الجبهة. عرف الجميع هذه (الحقائق) وانكشفت أكاذيب العدو. هذه بعض النقاط حول موضوع «الدّفاع المقدّس».

زوال الخوف والحزن بالمقاومة وبالاستقامة

طبعاً ما ذكرناه من حقائق حول «الدّفاع المقدّس» هو جزء صغير وقليل جدّاً؛ نحن استطعنا أن نُبيّن أجزاء صغيرة. إن «الدّفاع المقدّس» لوحة عظيمة، ولقد تحدّثتُ عن بعض الجوانب الصغيرة من هنا وهناك، وبيّنها آخرون أيضاً. نحن مدينون جدّاً لـ«الدّفاع المقدّس». إن الحرب بطبيعتها ظاهرة مخيفة وعنيفة، لكن من هذه الظاهرة المخيفة والعنيفة الممتدة ثماني سنوات تمّت هذه البركات التي ذكرت بعضها، وهي أكثر من ذلك بكثير. أي كسبنا من الحرب البِشارة والتقدّم والتجدّد. إنّ هذه الحرب رغم كلّ صعوباتها ومشكلاتها، ورغم كلّ الخسائر التي تركتها لنا في كل مكان، فإنها حققت لنا مكاسب. بالفعل كانت كذلك.
إن أدبيات الحرب عامة هي أدبيات مُبشّرة؛ انظروا ماذا يقول القرآن الكريم حول الشهداء: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران، 170). يُعطَون بشارة. يُبَشّرون بماذا؟ بأنه يجب ألّا يكون لديهم آفتان، وليس لديهم ذلك، أي أنهم يُبَشّرون بانتفاء هاتين الآفتين: أحدهما الخوف، والأخرى الحزن. ينفون عنهم الخوف والحزن أيضاً. في اعتقادي، إذا كنا نريد النشاط الاجتماعي والأمل والحيوية، وإذا كنا نريد التجدد لأجيالنا الشابّة، يجب علينا أن نؤمن بهذه البيان القرآني الملكوتي، فكلمة «يستبشرون» مهمة جدّاً. إن الخوف والحزن آفتان كبيرتان على أيّ شعب، أو جماعة، أو إنسان ما. هاتان الآفتان لا يمكن التخلّص منهما إلا بالبشارة القرآنية، وكذلك يمكن التخلص منهما إذا قاومنا، وهذا أيضاً هو مفاد الآية القرآنية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} (فصّلت، 30). فالمقاومة هي كذلك. إنْ كنتم تريدون ألّا يصيبكم الخوف ولا الحزن، اتخذوا من المقاومة والاستقامة نهجاً لكم. عندئذ ستتحرّرون من الخوف والحزن. هذه تعاليم قرآنية.

ترسيخ أدب «الدّفاع المقدّس» لمواجهة أيادي التحريف

للأسف، يجب أن أقول: نحن قصّرنا في ما يخص «الدّفاع المقدّس». طبعاً، إنّ هذه الأعمال التي أشار إليها الأخ العزيز، رئيس هيئة الأركان، حول ما تمّ إنجازه، هي أعمالٌ جيدة وقيّمة جدّاً، ومع هذا هي قليلة. إنّنا بحاجة إلى أعمال كثيرة. التفتوا! إننا كلما ابتعدنا زمانياً عن «الدّفاع المقدّس»، يجب أن نزداد قرباً معرفياً منها، لماذا؟ لأن أيادي التحريف تكمُن لنا، أيادي التحريف (تتربّص) في الكمين. حسناً، أنتم ممن شاركتم في الحرب موجودون اليوم، وفي النهاية، تقولون شيئاً عنها، وتدافعون، لكن بعد عشرين سنة لن يكون الكثير ممن يحضرون اليوم (أحياء)، وبعد ثلاثين عاماً عدد أكبر لن يكونوا حاضرين. يمكن ليد التحريف أن تطاول هذا الجزء المشرق من تاريخنا، ولذا يجب أن نعمل، وأن نزيد معرفتنا، وأن نعزّز أدب «الدّفاع المقدّس».
إن أدب «الدّفاع المقدّس» ليس نوعاً من الأدب مقابل الأنواع الأخرى، أي عندنا مثلاً الأدب الملحمي، الأدب العشقي، الأدب الاجتماعي، البوليسي… وأدب «الدّفاع المقدّس» واحد منها! لا، ليس الأمر كذلك. إن «الدّفاع المقدّس» نبع فوّار يفيض بأنواع مختلفة من الأدب، ويمكن لنا أن نستخرج منه ألواناً متنوعة وراقية من الأدب، وأن نوجد نصوصاً ممتازة: تاريخية أو اجتماعية أو سياسية أو عشقية أو عائلية، وهذه النصوص تكون أساساً لأعمال أخرى. لكن المسألة الأهم هي إنتاج النصوص؛ نحن بحاجة إلى إنتاج النصوص. إن تمكنّا من إعداد نصوص جيدة وفاخرة، يمكننا أن نُقدّم منها مسرحيّة، وأن ننتج فيلماً سينمائياً، وأن نكتب شعراً. على سبيل المثال، سمعت أن أحد الشعراء الملتزمين في بلادنا ألّف عشر غزليات من كتاب الشهيد خوش لفظ(11). هذا جيد جدّاً، إنْ دخل شعراؤنا الملتزمون هذا المجال، يمكنهم تأليف عشرات الدواوين من كتب «الدّفاع المقدّس»، فالشعر فنّ عظيم، وهكذا الأفلام والآثار السينمائية وأمثالها. حتى في العالم الأمر كذلك؛ ربّما أن جزءاً من أفضل الأفلام والأعمال السينمائية هي في الحقيقة مقتبسة من نصوص وكتابات فاخرة، من روايات ومؤلفات فاخرة سابقة. يصنعون عبرها (أعمالاً). علينا أداء العمل نفسه: علينا أن نوجد هذه النصوص الفاخرة، وأن نصنع منها أفلاماً ومسرحيات وأمثالها. لذلك هذا العمل مهم. سمعت أنه داخل البلاد هناك من يصنع مسرحيات من نصوص الكتّاب الأجانب، مثل فيكتور هوغو أو شارل ديكنز، ويعرضها. حسناً، لنعمل على إبداع كتابات يمكنها أن تحظى بإعجاب الآخرين – أولاً في الداخل ولاحقاً في أماكن أخرى – في العالم، ليصنعوا منها مسرحيات وأفلاماً سينمائية. إذاً، علينا أن نركز الجهود على إنتاج النصوص الفاخرة.

أهمية إحياء ذكرى «الدّفاع المقدّس» والتطرّق إلى شخصياتها

من المواضيع الأخرى إحياء ذكرى «الدّفاع المقدّس». إنّ إحياء هذه الذكرى أمر مهمّ وعمل كبير يمكن أن يمنع حدوث فجوة بين الأجيال، وأن يعرّف الأجيال الشابّة إلى «الدّفاع المقدّس»، وهذا بدوره يترك تأثيره ويصنع أشخاصاً مثل الشهيد (محسن) حججي، وشهداء الدّفاع عن الحرم الذي يعدُّ بدوره امتداداً لـ«الدّفاع المقدّس» ومن بركاته.
أيضاً من الأعمال المهمة جدّاً إقامة مراسم تكريم وتخليدٍ لشخصيات «الدّفاع المقدّس». طبعاً بعضها من الشخصيات المعروفة في الجيش، أو «حرس الثورة»، أو قوات الأمن، وبعضها كان من قوات التعبئة، لكن هناك الكثير من المجاهدين المغمورين غير المعروفين. الكثير من قصص المجاهدين التي كتبت تتحدث عن أفراد مغمورين، وهم كثيرون جدّاً، لكنهم أنجزوا أعمالاً عظيمة ونُسبت إليهم مسائل مهمة. علينا أن نقيم مجالس تكريم لأمثال هؤلاء الأشخاص، وأن نحقق ونبحث حولهم، وأن نتكلم ونتحدث عنهم وعن تفاصيل حياتهم. طبعاً إنّ موضوع المدافعين عن الحرم الذي أشرت إليه هو من المواضيع المذهلة في هذا الزمان، ومن الأحداث المهمة جدّاً. أن يجتمع المجاهدون، السوريون واللبنانيون والعراقيون والإيرانيون والأفغانيون، جميعهم في صفّ واحد، وفي آن، وأن يتحرّكوا لتحقيق هدف واحد، إنّه أمرٌ مدهش! إنه من ظواهر زماننا العظيمة، ومما لا شك فيه أنه من بركات «الدّفاع المقدّس» نفسها.

ضرورة العمل بواجباتنا في موضوع «كورونا»

حسناً، وصل كلامي إلى نهايته، لكن لا بد من التعريج على موضوع «كورونا». لا تستهينوا بهذا الموضوع؛ أن نخسر 150 شخصاً يومياً من أبناء وطننا هل هذا أمر هيّن؟ إن بعضهم لا يملكون تقييماً صحيحاً وتقديراً مناسباً عن القضية. افرضوا مثلاً أن تسقط كل يومين طائرة تحمل على متنها ثلاثمئة شخص ويموت الجميع، هل هذا شيء قليل؟ أن يكون لدينا كل يوم 140 أو 150 أو 170 متوفّين، هل هذا شيء قليل؟ والعلاج في أيدينا! تلاحظون كيف أن المسؤولين يبذلون جهوداً جبّارة وتضحيات كبيرة، من أطباء وممرضين ومديرين وغيرهم، فيعملون ويبذلون الجهود بصورة متواصلة. يجب علينا، نحن الناس، أن نتحمّل مسؤولياتنا، وأن نراعي مسألة التباعد الاجتماعي، وأن نرتدي الكمامات، وأن نعمل بالتوصيات، وأن نغسل أيدينا دائماً… جميعها أعمال ضرورية يجب أن نفعلها.
اليوم يُطرح موضوع «الأربعين». بعضهم يعشقون الإمام الحسين ويعشقون «الأربعين»، وهذا أمر واضح، وجميعنا كذلك. ربما الكثير منكم وُفّق للذهاب لزيارة «الأربعين»، أما أنا، فكنت محروماً رغم شوقي لذلك – رغم بُعدنا لكننا نلهجُ بذكرك (12) – لكنّ أمر المشاركة في مسيرة «الأربعين» يتوقف على تشخيص المسؤولين في «اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا». إن قالوا «لا» – هم إلى الآن قالوا «لا» –، يجب على الجميع أن يخضعوا ويتّبعوا التوصيات. أمّا أن ننهض ونذهب مثلاً إلى الحدود لنُظهر ولاءنا ومحبّتنا للإمام، فهذا غير جائز. علينا أن نفعل ذلك من داخل البيوت. هناك زيارات عدة واردة حول يوم «الأربعين». ليجلس الناس جميعاً في البيوت، وليقرؤوا زيارة «الأربعين» بتوجّه وحضور قلب، وليشكوا للإمام الحسين – عليه السلام – ويخاطبوه بهذه الكلمات: «يا سيد الشهداء، كنا نريد القدوم (إليك) من أعماق قلوبنا، لكن لم نستطع، بسبب هذا الوضع»؛ عسى أن ينظر إلينا الإمام ويمدّ يد العون.
أسأل الله تعالى أن يُقدّر للشعب الإيراني كل ما هو خير، وكل ما فيه صلاحه، وأن يُجزل الأجر لمجاهدينا الأعزاء على جهودهم والأعباء التي تحمّلوها، وأن يُعلي درجات شهدائنا. كما نسأل الله أن يحشر إمامنا العزيز مع أحبّائه وأوليائه، وأن يجزل له الأجر والثواب على هذا العمر الشّريف والثّمين الذي أمضاه. فالإمام كان قائداً لهذه الحركة العظيمة للشعب الإيراني، ولا يزال، فالإمام ما زال يقودنا حتى بعد رحيله. في الختام، أسأل الله العون والهداية لجميع إخواننا الأعزاء، والمسؤولين في القوات المسلحة، والمسؤولين في الحكومة، والمسؤولين في مختلف القطاعات والدوائر، ليتمكّنوا من أداء وظائفهم على أكمل وجه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش:

1- استُهلّت هذه المراسم بتقرير قدّمه اللواء في «حرس الثورة» محمد باقري (القائد العام لهيئة الأركان في القوات المسلحة).
2- العميد ولي الله فلاحي (رئيس هيئة الأركان المشتركة في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن «الدفاع المقدس»).
3- اللواء قاسم علي ظهير نجاد (قائد القوات البرية في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن «الدفاع المقدس»).
4- صحيفة الإمام، م. 13، ص. 221، كلمة موجّهة عبر الراديو والتلفزيون بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد (22/9/1980).
5- صحيفة الإمام، م. 16، ص. 143، كلمة موجّهة إلى الشعب الإيراني والمجاهدين (22/3/1982).
6- في 28/11/1943، عقد رؤساء الدول الثلاث، الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي، لقاءات على مدى ثلاثة أيام في سفارة الاتحاد السوفييتي يطهران، عُرفت بـ«لقاء طهران».
7- رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل.
8- رئيس الولايات المتحدة آنذاك فرانكلين روزفلت.
9- رئيس الاتحاد السوفيتي آنذاك جوزيف ستالين.
10- في «معاهدة غلستان» التي وقعت بين المملكة القاجارية وروسيا القيصرية عام 1813.
11- كتاب وقتی مهتاب گم شد [عندما ضاع القمر]، ذكريات الشهيد علي خوش حفظ.
12- مقتبس من بيتِ شِعر لحافظ الشيرازي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى