أخبار وفعالياتحوارات

جلسة حديث عام للأستاذ عبد الوهاب حسين

الموضوع : جلسة حديث عام للأستاذ عبد الوهاب حسين
المكان : مجلس فضيلة الأستاذ حسن المشيمع .
اليوم : مساء الخميس – ليلة الجمعة : ( الجلسة الأسبوعية ) .
التاريخ : 12 / شوال / 1425 هـ .
الموافق : 25 / نوفمبر – تشرين الثاني / 2004 م .
إعداد : لبيب الشهابي .

 

ملاحظة : لم تكن زيارة الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى مجلس فضيلة الأستاذ حسن المشيمع .. مخطط لها أو بناء على دعوة سابقة ، وإنما كانت زيارة مفاجئة بعد رجوع الأستاذين من زيارة صديق ، وقد توجه الحضور في مجلس فضيلة الأستاذ حسن المشيمع إلى الأستاذ عبد الوهاب حسين بأسئلتهم فأجاب عليها ، وقد دون الأخ لبيب الشهابي ما دار في المجلس ونشره في ملتقى البحرين ، وبناء على أهمية ما دار في الحديث وتفاعل زوار ملتقى البحرين معه ، رأى موقع الأستاذ أهمية مراجعة ما نشره الأخ لبيب الشهابي وإعادة نشره .

في حديث لا ينتهي : القائد والمقود والعلاقة بينهما ، كلمات من نور لفضيلة الأستاذ عبد الوهاب حسين .

حديث كأنه بستان أزهاره مختلفة اللون والرائحة .

في خضم الحديث المتواصل عن القيادة والقاعدة الجماهيرية : صرح الأستاذ عبد الوهاب حسين في مجلس الأستاذ حسن المشيمع بتصريحات مهمة للغاية ، وطرح رأيه في هذه العلاقة وجدلياتها .. وقد وصف الجماهير : بالإخلاص والوفاء والتفاني والطاعة لقياداتها المخلصة .

ومن حيث أسلوب التعاطي لإصلاح الخلل الموجود في القيادة والذي يتردد في كل مكان وعلى كل لسان ، أشار الأستاذ إلى وجود رأيين .. وهما :

الرأي الأول : يطالب القيادة بالمبادرة لإصلاح الخلل .

الرأي الثاني : يطالب بعدم انتظار المبادرة من القيادة ، لأنها قد تكون غافلة عن وجود الخلل ، وقد ترى عدم وجوده أصلا ، وقد لا تملك الكفاءة .. وتكون بذلك غير مهيأة أصلا لإصلاح الخلل !!

وبالتالي فأصحاب هذا الرأي يطالبون بأن يأخذ الشارع زمام المبادرة ، لأنه هو الذي يختار القيادة التي تخدم أهدافه ويؤمن باستراتيجيتها ومنهجيتها وكفاءتها .. ويتوجها بالقيادة .

وبالتالي فنحن أمام منهجيتين ..

المنهجية الأولى : ترى بأن الجماهير هي التي تختار قيادتها على ضوء إيمانها بأهدافها واستراتيجية عملها ومنهجيتها وخططها وكفاءتها استنادا للتجارب لتحقيق الأهداف ، وتعزلها إذا وجدت أنها لا تؤمن بأهدافها ، أو أنها لا تملك الاستراتيجية والمنهجية والخطط الكفيلة بتحقيق الأهداف ، أو ثبت بالتجربة أنها لا تمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة لتحقيقها .. وتتوج قيادة غيرها على الأساس الصحيحة الواضحة التي سبق توضيحها .

المنهجية الثانية : لا ترى بأن الجماهير تختار قيادتها وتعزلها على الأسس التي تم توضيحها في المنهجية الأولى ، وترى بأن القيادة جاهزة وموجودة في الخارج على أسس تقليدية – غير ما تم توضيحه – كأن يكون عالما فقيها تقيا ورعا .. أو بالوراثة ، وعلى الجماهير إتباعها والتسليم إليها ، وليس لها حق المراقبة والنقد والمحاسبة ، وإلا أصبحت قيادة فوق قيادة .. وهذا في رأيها غير صحيح !!

والذي أراه شخصيا : أن القيادة الحقيقية ليست هي القيادة التي توجد في الخارج على أساس تقليدي أو وراثي أو ما يشابهه .. ويتم التسليم إليها ، ولكنها القيادة التي يتم اختيارها على أساس المنهج الأول : أي على أساس ما تقدمه من رؤى وأفكار ومشاريع واستراتيجيات ومناهج وخطط عملية لتحقيق الأهداف الإسلامية والوطنية المحددة ، وما تتخذه من مواقف فعلية تصب في خدمة القضايا الإسلامية والوطنية ، والتي تثبت التجارب كفاءتها السياسية والإدارية والأخلاقية لتحقيق الأهداف .

والخلاصة : لكي تتخذ قائدا : يجب عليك أن تسأل ما هي مشاريعه وأطروحاته وأفكاره ورؤاه واستراتيجيته ومناهجه وخططه في العمل والتجارب التي أثبتت كفاءته السياسية والإدارية والأخلاقية .. وإلا أنك لم تكن واقعيا وحكيما في اختيارك للقائد وتتويجه بالقيادة .

ورداً على سوأل أحد الحاضرين : حول التعاطي المنهجي لمعرفة كفاءة القيادة .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

إن الشعوب التي تمارس المنهج التبريري في تقييم أوضاع وأداء القيادات بدلا من المنهج النقدي .. هي شعوب عدوة لنفسها ، لأنها بذلك تضيع على نفسها فرصة المعرفة الواقعية لقياداتها واختيارهم وعزلهم على أساس الكفاءة لخدمة الأهداف قضاياها الجوهرية ، وأن هذه الشعوب تجعل الولاء والإخلاص للأشخاص مقدم على الولاء والإخلاص للمشاريع والأهداف والقضايا ، ولا تمتلك هذه الشعوب فرص تصحيح الأوضاع السيئة والمتخلفة لقياداتها إن وجدت .. ولا فرص تطويرها ، وتكون هذه الشعوب رهينة للواقع القائم للقيادات : إن خيرا .. فخير ، وإن شرا .. فشر ، وهذا خلاف المنهج التوحيدي ، وخلاف المواقف المسؤولة للشعوب والأمم .. وخلاف مصالحها .

لو لجأت الشعوب إلى الأسس الصحيحة لاختيار القيادات : فربما لم ترتضي الكثير من القيادات القائمة .. ولم تختارها وتتوجها للقيادة .

ولو دققت الشعوب في واقع قياداتها وفقا للمنهج النقدي : فربما عزلت الكثير من القيادات عن موقع القيادة والصدارة ، لأنها لا تجد لديها الإيمان بأهدافها ، أو أنها لا تتبع الاستراتيجية والمنهجية الصحية لتحقيق الأهداف ، أو لأنها لا تجد لديها المشاريع والخطط والبرامج القوية ، أو لأنها وجدت أنها لا تمتلك الخبرة والكفاءة السياسية والإدارية والأخلاقية اللازمة لتحقيق الأهداف ولخدمة القضايا الإسلامية والوطنية الجوهرية الكبيرة ..

ولو دققت الشعوب وبحثت : فربما تجد أن التجارب العملية تثبت أن صفات القيادات القائمة هي في واقع الحال على خلاف ما يقال ويروج عنها .. ولكن المنهج التبريري السيئ : هو الذي حمى هذه القيادات الضعيفة والسيئة ، وأبقاها في المكان غير المناسب .. على حساب مصالح الشعوب وأهداف وقضايا الشعوب العادلة !!

إنني أعتقد بأننا كشعوب أعداء أنفسنا : حين نعمل بالمنهج التبريري في تقييم أوضاع وأداء قياداتنا الرسمية والشعبية ، ذلك المنهج الذي من شأنه تمكين الضعفاء ومن لا بصيرة لهم وجعلهم في موقع القيادة .

في حين لو عملنا بالمنهج النقدي : فسوف نتمكن من المعرفة الواقعية لقياداتنا ، ونمكن المؤهلين من القيادة ونعزل غير المهلين ، وهذا يصب في خدمة مصلحة الشعب وقضاياها الجوهرية والمصيرية وتحقيق أهدافها المشروعة العادلة .

وفي جوابه على سؤال أحد الحاضرين : عن تمييز الأشخاص واختيارهم لموقع القيادة .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين : يجب أن لا يأخذ شخص من المسؤولية .. إلا بحسب التجربة .

قال الله تعالى عن المنافقين في سورة المنافقين : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } .

هذه الآيات الشريفة المباركة .. تقول لنا : أن هناك حقيقة سيئة خفية في بعض الأشخاص ، تختلف عن الظاهر الايجابي الحسن لهم .. وأن المطلوب منا كمؤمنين : أن لا ننخدع بالظاهر الحسن لهؤلاء المنافقين ، وأن نسعى لمعرفة حقيقتهم قبل أن نوليهم أي مسؤولية عامة .

والسؤال : كيف يمكن لنا معرفة الحقيقة ؟

الجواب : لا يمكن معرفة الحقيقة إلا بالتجربة

أيها الأحبة الأعزاء : هناك أشخاص يبتعدون ويختفون في وقت العسر والشدة ، ويظهرون ويتقربون في وقت اليسر والعافية ، ويتظاهرون بالشجاعة والتقوى والإخلاص ، ويسلقون المؤمنين الصادقين المضحين الذين لا ينافسون على الحطام .. بالسنة حداد ، ويصفونهم بالتطرف أو الضعف .. أو غير ذلك : حسب الدعاية المطلوبة في سوق النخاسة السياسية والمتاجرة بالضمير ، والإنسان لا يستطيع أن يميز حقيقة الأشخاص من وراء ألسنتهم .. إلا بالرجوع إلى التجارب ومواقف الأشخاص في وقت العسر والشدة ، لا سيما إذا كان الكل يتحدث في وقت اليسر والعافية باسم الدين والتقوى والوطنية ، ويظهر الشجاعة والجرأة والإقدام والحرص على المصالح العامة للناس !!

والخلاصة : أننا إذا حكمنا على الأشخاص بعيداً عن التجارب ، فلن نستطيع معرفة الحقيقة ، وقد نكون أعداء أنفسنا بتقييمنا غير الدقيق ، واختيارنا غير المناسب .

وللأسف فإن اختياراتنا للقيادات : لم تحصل بالاستناد إلى التجارب والرؤى والأطروحات والمواقف ، وإنما بالاستناد إلى العناوين والمعايير التقليدية غير الدقيقة .. بل غير الصحيحة .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : هل القيادة الحقيقية : هي التي تفرض إرادتها الفوقية على الجماهير ؟

أم هي القيادة التي تعمل وفق إرادة الناس؟

أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين : أنت كقائد إذا لم تخدم أجندتي ولم تعبر عن إرادتي .. فكيف تكون قائداً لي ؟

لا أقول يجب على القيادة أن تتبع القاعدة في كل شي .. وإنما هناك بعض التفاصيل يجب أن نقف عندها .

من الناحية الإسلامية : الأمور في القرآن الكريم تنقسم إلى قسمين ..

القسم الأول : أمر الله تعالى : وكل ما يعود إلى الله تعالى لا خيار فيه إلى الناس .

قال الله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } .

مثال ( 1 ) : الزنى جريمة ولا يجوز للناس أن يحلوا الزنى .

مثال ( 2 ) : الربا جريمة ولا يجوز للناس أن يحلوا الربا .

القسم الثاني : أمر الناس : وفي هذه الأمر : يجب على القائد أن يعود إلى الناس ويشاورهم ويعمل وفق نتائج الشورى معهم .

قال الله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } .

وبعد أن يؤسس القرآن الكريم لقاعدة الشورى فيما يعود إلى الناس ، يأمر الله تعالى الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بتطبيق هذه القاعدة ..

قال الله تعالى : { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } .

ومن المعلوم قطعا : أن الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : غير محتاج – من الناحية النظرية – إلى الشورى ، لأنه يمتلك عقلا أكثر إحاطة من عقل جبرئيل عليه السلام ، وأن عقله أضخم من عقول الناس لو جمعناها جميعا .. ولكنه من الناحية العملية : كان يمارس الشورى على أوسع نطاق ، لأنه محتاج لها في تربية أصحابه ، ولخلق أمة قوية واعية وقادرة على تحمل المسؤوليات الرسالية المناطة بها .

ومن الناحية العلمية المجردة : حين تقول بأن هناك قيادة شعبية أو جماهيرية .. فهذا يعنى بصورة منطقية : أنها تعبر عن إرادة الشعب أو الجماهير ، وتخدم أجندتهم ، وتحقق أهدافهم ومصالحهم .. وبقدر ما تكون كذلك : تعتبر قيادة حقيقية للشعب أو الجماهير ، سواء كانت قيادة شعبية أو رسمية .

ومن ناحية الإدارة السياسية : تنقسم الأمور إلى قسمين ..

القسم الأول : الأمور الكلية .. مثل : الأهداف العامة ، والاستراتيجية العامة للتحرك ، والمرجعية في هذه الأمور إلى الناس ، ولهم فيها حق المراقبة والمحاسبة للقائد .

القسم الثاني : الأمور التفصيلية في المواقف والإدارة السياسية ، وهذه يختص بها القائد ، ولا يصح من القاعدة والجماهير التدخل فيها ، ويختار القائد على أساس كفاءته المتميزة في الإدارة السياسية ، وقدرته من خلالها على تحقيق أهداف الجماهير ، وإذا ثبت من خلال التجربة عدم كفاءته ينبغي عزله واستبداله بغيره .

والخلاصة : حين تكون قائداً يجب أن تعبر عن إرادة الناس وتخدم مصالحهم وتسعى في تحقيق أهدافهم ، وأن تكون رؤاك وأجندتك تعبر عنهم .. وإلا كانت قيادتك : ضرباً من الاستبداد والدكتاتورية ، سواء كنت قيادة رسمية أو شعبية .

وهنا تدخل الأستاذ حسن المشميع معقبا على كلام الأستاذ عبد الوهاب حسين عن الألسن الحداد .. قائلا : إن هذا الأمر ينطبق على المنافقين ، ولكن الناس في تعاطيهم معك يختلفون ، فهناك أناس مرضى .. وهم ليس بالضرورة من المنافقين : فقد يكونوا من الذين يخافون أو من الأنانيين أو أصحاب المصالح الخاصة التي يخافون عليها أو يعملون من اجلها على حساب المصالح العامة .. وهذا مما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار .

وفي مداخلة للدكتور عبد الجليل السنكيس .. قال : القاعدة لدينا تعودت أن تستقبل ولا ترسل ، والقيادات تعودت أن ترسل ولا تستقبل ، وهذه وضعية خاطئة في العلاقة بين القيادة والقاعة يجب تصحيحها .. والحالة الصحيحة : يجب على كل من القاعدة والقيادة أن يكون لديهما عنصرا الاستقبال والإرسال معا .. ولا أعني بذلك الاستشارة رغم أهميتها .

ولم يوضح الدكتور المزيد من رأيه .

وتابع الأستاذ عبد الوهاب حسين حديثه عن الشورى .. قائلا : يجب أن نرجع إلى تراثنا الديني لنستفيد منه في تحديد منهجنا في الإدارة السياسية ، ونوظفه في توعية الجماهير بالمنهج .. وحملهم على العمل به .

فالرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .. كما قلت قبل قليل : يمتلك عقلا أكبر إحاطة من عقل جبرائيل عليه السلام ، وإني على يقين من أن عقل الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : أكبر من مجموع عقول الناس .. وبالتالي فهو صلى الله عليه وآله وسلم : ليس في حاجة – من الناحية النظرية – إلى الشورى ، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم .. من الناحية العملية : كان يمارس الشورى على أوسع نطاق .. وليس هذا فحسب : ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يستفز أصحابه ( رضوان الله تعالى عليهم ) لتقديم المشورة ، وكان ينزل على إرادتهم ، ويعول على نتائج الشورى في تحديد المواقف السياسية والعسكرية .

وقول الله تعالى : { وإذا عزمت فتوكل على الله } لا يعني أن الشورى مجرد وسيلة لتطييب خواطر أصحابه .. وإنما يعني فيما يعني : أن القيادة هي المسؤولة عن اتخاذ القرار النهائي على ضوء نتائج الشورى ، وأن ذلك من صلاحياتها وحدها دون غيرها ، وكان الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، يعول على نتائج الشورى في اتخاذ المواقف السياسية والعسكرية ، وكان بإمكان الرسول الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، أن ينطلق من كونه رسولاً مفترض الطاعة .. ويقول للناس : أنا رسول الله إليكم ، وأنا نبي ، ويجب عليكم أن تطيعوني في أمر الحرب والسلم ، لأنني أعرف بالأمور منكم ، وأعرف بمصالحكم منكم ، وأن الله تعالى يسدد خطاي ، فأطيعوني ولا تعصوا لي أمرا .. فتكونوا من النادمين ، ولكنه لم يفعل ذلك قط ، علماً بأن القرآن الكريم أسس لوجوب الطاعة المطلقة للرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه ليس في محله ، وهو خلاف مقتضى الحكمة ومنطق الطبيعة والأشياء في التربية وإخراج الأمة الواعية القوية والمسؤولة .

ففي معركة بدر الكبرى : طلب الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه أن يشيروا عليه ، وأتخذ قرار الحرب بناءً على نتائج الشورى .

وفي معركة الخندق : حين أحكم المشركون بحصارهم للمدينة الخناق على المسلمين وبلغت القلوب الحناجر ، أظهر الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه يريد أن يفاوض المشركين على أن يعطيهم بعض غلة المدينة .. مقابل فك حصارهم عن المسلمين !!

لاحظوا كيف كان الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وأله وسلم يصنع الأمة !!

سأله بعض أصحابه إن كان الأمر من الله تعالى فلا تجوز فيه الشورى ، أو هو من الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ضمن إدارته السياسية للموقف .. وأنه مما تجوز فيه الشورى ؟

فقال الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم له : إنه من أمر الإدارة السياسية مما تجوز فيه الشورى .

فقال الصحابي – بما معناه : إننا كنا لا نعطيهم منه شيئا في الجاهلية إلا بثمن ، والآن بعد أن أعزنا الله تعالى بنبيه وبالإسلام نبذله لهم أو نتنازل لهم عنه بدون ثمن .. هذا لا يكون !!

وأخذ الرسول الأعظم الأكرم بهذا الرأي .

ومما لا شك فيه : أن هناك فرقاً كبيرا بين المعصوم وغيره ، فإذا كانت هذه منهجية المعصوم في الإدارة السياسية ، فكيف نقبل أن نضع غير المعصوم في موقع القيادة ، ونرضى منه أن يسير فينا بمنهجية تقيد إرادتنا ويحرمنا من حقنا في التعبير عن آرائنا .. بصورة لم يعمل بها المعصوم ؟!

وردا على سؤال أحد الحاضرين : هل هناك فرق بين القيادة الجماعية والفردية فيما يتعلق برجوعها إلى الناس ؟

أجاب الأستاذ عبد الوهاب .. بقوله : لا يوجد فرق : فالقيادة التي تعبر عن إرادة الجماهير وترجع إليهم .. هي القيادة الحقيقية التي ندعوا إليها ، والقيادة التي تفرض إرادتها وأجندتها على الجماهير .. هي قيادة دكتاتورية مستبدة ، سواء كانت فردية أو جماعية .. لا فرق في ذلك .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : حول المسائل التي تنبع من الجماهير ويجب الرجوع إليهم فيها وتجوز لهم محاسبة القيادة عليها .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

الأمور الأساسية التي يجب أن تنبع من الجماهير .. هي : الأهداف العامة ، واستراتيجية التحرك .. ويجب علي الجماهير الرقابة فيها ، كما تجب عليها الرقابة والمحاسبة للقيادات على الخطط والبرامج العامة ونتائج الأداء .. وفاعلية ذلك كله ونجاحه في تحقيق الأهداف ، وليس للجماهير التدخل في تفاصيل المواقف والإدارة السياسية .. وإنما المحاسبة على النتائج .

وردا على إشكال أثاره أحد الحاضرين : أن الأمة لا تجتمع على رأي واحد ، فكيف نطالب القيادة بالرجوع إلى الأمة ؟

أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين : عدم اجتماع الأمة على رأي واحد .. هذه حقيقة مسلم بها ، وتعليق الرجوع للأمة ومشاورتها على اجتماعها على رأي واحد .. يعني تعليقهما على محال ، وهنا يأتي دور القيادة في تنظيم عملية الرجوع وإدارة الاختلاف في الرأي عند الأمة ، واتخاذ القرار النهائي الذي يعبر عن إرادتها ، وهو مما يدل عليه قول الله تعالى : { وإذا عزمت فتوكل على الله } .

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في أحد خطبه : ( بما معناه ) : الأمر أمركم ، وليس لأحد من الأمر إلا ما أمرتم ، وليس لي من الأمر شيء دونكم .

ويقول في مكان آخر بما معناه أيضا : ولكم علي أن لا أكتمكم سراً .. إلا في حرب ، ولا أطوي دونكم أمرا .. إلا في حكم .

مما يدل على التالي ..

أولا – أن الأمة تمثل المرجعية فيما يعود إليها من الأمور .

ثانيا – أن القاعدة العامة التي تحكم العلاقة بين القائد والقاعدة .. هي : الشفافية والانفتاح ، وليس السرية والانغلاق .

وازعم أن الوقائع تثبت لنا : أن الكثير من القيادات الإسلامية الشيعة لا تلتزم بسيرة المعصومين عليهم السلام في مسألة القيادة .

وردا على إشكال آخر أثاره أحد الحاضرين : حول ما جاء في القرآن الكريم من ذم لمواقف الأكثرية وعدم حجيتها .. مثل : قول الله تعالى : { وأكثرهم للحق كارهون } .

قال الأستاذ عبد الوهاب حسين : الأكثرية ليسوا بحجة قطعا في معرفة الحق والباطل ، فإن ذلك يجب أن يستند إلى منطق الحجة والبرهان ، ولو استندنا إلى الأكثرية لمعرفة الحق والباطل .. لضاع الحق كله ، وكذلك الحال في الأحكام الشرعية .. فإنها لا يُحكٌم فيها الاستفتاء ، لأنها من أمر الله وليست من أمر الناس : فالزنا جريمة ، والربا جريمة ، وليس للأمة أن تغير في ذلك شيئا أو تقرر خلافه ، وهذا في غاية الوضوح لكل ذي بصيرة في الدين ، ويحكم به العقل السليم .

وإنما الحديث حول شؤون الناس ومصالحهم : كيف يصح تحكيم رأي فرد وفرضه على الناس بغير إرادتهم فيما يخصهم ويعود عليها بالنفع والضرر ؟

ويدخل في ذلك قرار الحرب والسلم من الناحية الإجرائية .. لا من الناحية الشرعية : التي توجب الحرب دفاعا عن الدين ، وتحرم الحرب العدوانية على الآخرين ، فالرأي في الحرب والسلم من الناحية الإجرائية رأي الناس ، فمتى ما قررت الأمة الحرب – وليس في ذلك مخالفة شرعية – يجب على القائد أن ينزل عند قرارها .

ويجب التنبيه : إلى أن الوجوب المذكور ليس وجوبا شرعيا ، وإنما حسب الإدارة السياسية .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : هل تعتبر مسألة إقامة ندوة جماهيرية تدشن فيها عريضة شعبية من الأمور العامة الكلية التي يرجع فيها إلى الناس .. أم من الأمور التفصيلية التي تختص بها القيادة ؟

أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين : ينبغي التمييز بين نوعين من البرامج ..

البرامج التفصيلية : وهذه قطعا تختص بها القيادة ، وتحاسب على نتائجها فقط .

البرامج العامة الكبيرة : التي تشارك فيها الأمة ككل ، وتؤثر بصورة مباشرة عليها .. مثل : قرار الحرب ، وهذه يجب الرجوع فيها إلى الأمة .

وفي تقديري الشخصي : أن قرار المشاركة والمقاطعة في الانتخابات ، وتدشين العريضة الشعبية ( بالنظر إلى الحيثيات التي صاحبتها ) .. هما : من النوع الثاني الذي يجب الرجوع فيهما إلى الناس .. لا سيما بعد أن قال الناس كلمتهم فيهما بوضوح .

وأشار الأستاذ إلى واحدة من الأخطاء الفكرية الشائعة في الدفاع عن الاستبداد .. استنادا لما جاء في معركة أحد ، فقد استشار الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين : حول البقاء في المدينة والدفاع عنها ، أو الخروج لملاقاة الأعداء في خارجها ، واتخذ الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرار العسكري .. استنادا إلى نتائج الشورى : بالخروج من المدينة وملاقاة الأعداء في خارجها ، وفي المعركة شارف المسلمون على تحقيق النصر ، إلا أن مخالفة بعض المسلمين للأمر العسكري .. أنزل الهزيمة النكراء بالمسلمين ، وهنا نجد البعض يستخدم هذه المخالفة لكي يروج – بغير وجه حق – إلى فكرة الاستبداد والتقليل من أهمية الشورى والرجوع إلى الأمة في القرارات المهمة .

إننا يجب أن نميز بين أربعة أمور ..

الأمر الأول والثاني : يجب أن نميز بين الاستبداد والانضباط العسكري والإداري ، فالاستبداد مرفوض ومدان ، والانضباط العسكري والإداري مطلوب وممدوح .

الأمر الثالث والرابع : يجب التمييز بين المشاركة بالرأي والانفلات العسكري والإداري ، فالمشاركة بالرأي مطلوبة وممدوحة ، والانفلات العسكري والإداري مرفوض ومدان .

وفي القرآن الكريم : استنكر الله تعالى على المسلمين مخالفتهم للانضباط العسكري .. وعاتبهم عليه .

وفي نفس الوقت : أمر الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالاستمرار في مشاورته للمسلمين .

قال الله تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفوا عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } .

ولم يخلط القرآن الكريم بين الأمور الأربعة .

وحول إعلان أحد الحاضرين عن مطالبته كافة الرموز بالاتفاق على رأي واحد من أجل مصلحة الساحة الإسلامية والوطنية .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

أنا استغرب من هذا الطلب وأرى بأنه طلب غير واقعي ، وتعليق حركة الساحة عليه .. يعني تعليقها على مستحيل ، فالفقهاء والعلماء والساسة المؤمنين يختلفون في مناهجهم وإدارتهم السياسية ، وهذا حق طبيعي لهم ورحمة للناس ، وتعليق الحركة والنجاح على اتفاقهم جميعا .. يعني تعليقهما على مستحيل .

ففي لبنان : لو تم تعليق المقاومة على اتفاق أمل مع حزب الله لما كانت هناك مقاومة .

وفي إيران : لو تم تعليق حركة الإمام الخميني ( رضوان الله تعالى عليه ) على اتفاقه مع سائر الفقهاء لما كانت هناك جمهورية إسلامية .

فالاختلاف حق طبيعي ورحمة للناس : فهو أداة للتصحيح والتطوير ..

والمطلوب من الناس : أن يختاروا القيادة التي يؤمنوا بأهدافها واستراتيجيتها وكفاءتها في الإدارة السياسية للمواقف من أجل تحقيق الأهداف .. أي : القيادة التي تعبر عن إرادتهم ، وهذا الأمر يسلط الضوء على واقعية مرجعية الأمة في الأهداف والاستراتيجية العامة للتحرك واختيارها على هذا الأساس .

كما أشار الأستاذ عبد الوهاب حسين : إلى أهمية الآليات العلمية الصحيحة في اتخاذ القرارات في توحيد صف الجماعة الواحدة وتوحيد كلمتهم .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : أين المشكلة في القاعدة أو القيادة ؟

أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين : أرى أن الشعب البحريني وفي ومخلص ومطيع .. ويمتاز بالحضور الفاعل في الساحة ، وانه يمتلك القدرة على الإبداع والتميز ويستطيع خلق المعجزات : لو توفرت له القيادة التي تجاريه في وعيه وطموحه وحضوره ، وقد قلتها بحرقة وألم مرارا : إنه لظلم عظيم لهذا الشعب ، أن يقول أحد من القيادات : ليس لدي من أعتمد عليه وأثق به وقت الوثبة ، إن هذا لدليل – حسب تقديري – على عجز القيادة .. وليس الشعب !!

ولنأخذ هذا المثال القريب : الأستاذ عبد الهادي الخواجة : عبر عن قضية تخص الناس.. فظلمته السلطة ، فكيف كان موقف الناس ؟

الجواب : لقد وقفوا إلى صفه ، وضحوا من أجله ، ودخلوا معه السجن حتى تم الإفراج عنه .. ولم يكن الأستاذ الخواجة : رمزا بحجم القيادات والرموز الشعبية : الإسلامية والوطنية الأخرى !!

وحين حوصر سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في بني جمرة : سقط شهيدان في ليلة واحدة ، وسقط العديد من الجرحى .. واعتقل الكثيرون : رجالا ونساء .. شيوخا وشبانا !!

لماذا كل هذه التضحيات السخية ؟

الجواب : لأنهم مخلصون لله تعالى ، وأوفياء للشيخ الجمري .. ولكل القيادات المخلصة ، وأنهم لفرط إخلاصهم ووفائهم : فهم مستعدون لأن يضحوا من أجلهم ويفدوهم بأنفسهم وبأعز ما يملكون .

وعني شخصيا : أقولها للأمانة الأخلاقية وللتاريخ : أنني أعطيت من الناس أكثر مما أستحق ، وأعترف بأني لا أستطيع أن أرد للناس حقهم علي إلى أن أموت ، فسوف أموت وأنا أحمل لهم دينا في عنقي ، وأسأل الله تعالي الذي خلقني وخلقهم وإنا إليه راجعون .. أن يجزيهم بجوده وكرمه ورحمته خير الجزاء .

والخلاصة : ليس في محله ، وليس من الحق ، وليس من العدل .. القول : أن الشعب البحريني من الممكن أن يخذل قياداته المخلصة التي تسعى لخدمته وتضحي من أجله .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : عن المنهجيات المتبعة في عمل المعارضة في الوقت الحاضر .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

من الواضح جدا أن هناك منهجيات خاطئة في عمل المعارضة في الوقت الحاضر .. والدليل على ذلك : أن الوفاق مثلا : لم ترض لا المشاركين ولا المقاطعين ، لا المعتدلين ولا المتطرفين ، لا يوجد طرف واحد راضِ عن أداء الوفاق ، المعتدلون انشقوا عن الوفاق وسعوا لتأسيس جمعية جديدة خاصة بهم ، ومن يطلق عليهم البعض ( بغير حق ) وصف المتطرفون .. هم أيضا : غير راضين عن أداء الوفاق ، ولولا الالتزام الأدبي منهم مع رفقاء الدرب ، لما وجدت لهم حضورا في الوفاق ، وهذا وضع خطير يجب علينا تداركه قبل حلول الكارثة السياسية علينا !!

وردا على سؤال أحد الحاضرين : حول ابتعاده .. أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين : لقد بدا واضحا : اختلاف منهجية عبد الوهاب في التفكير والعمل السياسي ( بصورة غير مقصودة ) مع بعض الرموز الكرام ، وهذا ما توصل إليه الكثير من المراقبين .. وذكرته من قبل ، وإن كنت معهم في خندق واحد من الناحية الفكرية والعقائدية ، والحرص الشديد على عدم المخالفة في المواقف العملية العامة .. ويجب العلم : بأني لا أملك من نفسي الغطاء الفقهي لعملي السياسي ، ولا أستطيع التحرك سياسيا من دونه ، كما لا أستطيع التحرك في العمق وفق منهجية لا أرى صحتها ، ولهذا ابتعدت عن الخطاب السياسي المتصل بصناعة القرار ، وأبقيت على الخطاب الإسلامي والسياسي التنويري العام ، وابتعدت عن الواجهات الإعلامية في الداخل والخارج ، ولم أتراجع عن الموقف وأقبل التدخل في التفاصيل ، رغم حجم الضغوط المثقلة الشديدة علي ، حرصاً مني على وحدة الصف والواجهة السياسية للتيار العظيم ، ولا زلت على اتصال مع صانعي القرار من الرموز والقيادات الإسلامية والوطنية ، وأشير عليهم بما أراه فيما يستشيروني فيه من المواقف والقضايا ، وأتعاون معهم بما أقدر عليه في كافة الأمور .. حسب طلبهم ورغبتهم .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : حول العلاقة مع السلطة .. أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين :

الأهداف التي نسعى من أجلها كبيرة وعديدة ، وفي تقديري أن موقف المقاطعة لا يعني القطيعة مع السلطة ، وإنما هي موقف سياسي اتخذناه كحق .. ويجب معه أن نذهب إلى السلطة وإلى الملك ونتحدث معهم ونطالبهم ونأخذ ونعطي معهم ، وأنا اعتقد بأن حالة الجمود في العلاقة بين المعارضة والسلطة – كما نجده في الوقت الحاضر – حالة غير صحية ، ولا تخدم المصلحة الوطنية وقضايا المواطنين .

وردا على سؤال أحد الحضور : حول رأيه في مشاركة التيار في الانتخابات القادمة في عام ( 2006 ) .. أجاب الأستاذ عبد الوهاب حسين :

بغض النظر عن صحة أو خطأ مشاركة التيار في انتخابات ( 2006 ) في نفسها .. فإني أقولها بصراحة وصدق وإخلاص : أن التيار الإسلامي الشيعي غير مهيأ عمليا – حتى الآن – للمشاركة في الانتخابات القادمة ، وإن اتخذ قرار المشاركة ، فسوف يأتي بنتائج كارثية ، فنجاح قرار المشاركة يحتاج إلى قبول الناس به وتهيئتهم إليه ، ولم يهيء أحد إلى الآن الناس إلى المشاركة .. وهم غير مهيأين إليها من قبل ، وعملية التواصل مع الجماهير سيئة ، ولا تسمح حتى الآن بالقدرة على تغيير قناعتهم بصورة جيدة .

بالإضافة إلى تهيئة الكوادر المدربة لخوض الانتخابات .

صحيح أن لدينا كوادر ومثقفين أكبر في حجمها ونوعيتها من قواعد بعض التيارات الأخرى ، ولكن هذه الكوادر لا تدار بشكل صحيح ، ولا يتم التواصل معهم وتوظيف طاقاتهم ومواهبهم وقدراتهم في خدمة التيار والمصالح الإسلامية والوطنية ، وأن المشاركة في الانتخابات تتطلب تهيئة الكوادر وتنظيمها وإعداد برنامجها .. وهذا ما لم يحصل منه شيء حتى الآن.

وتعليقا على مداخلة من الدكتور السنكيس : أكد فيها خطأ قرار المشاركة في نفسه .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

لقد كان جوابي على سؤال الأخ أبو نبيل : مبنيا على التجاوز الافتراضي لصحة أو خطأ المشاركة ، غير إني أقطع في نفسي بخطأ المشاركة في انتخابات ( 2006 ) ما لم يحدث تقدم في المسألة الدستورية ، وقد ضاق الوقت فعلا عن المشاركة فيها .

وأنبه: أن التحذيرات التي طرحناها للعواقب السيئة للمشاركة قبل التجربة الحالية .. كانت تحذيرات نظرية ، إلا أن التجربة قد أثبتتها واقعاً حسيا على الأرض ، فأصبحت التجربة الحسية خير دليل على صحة قرار المقاطعة .

فأعضاء البرلمان محبطون : على الرغم من كون غالبيتهم العظمى ليسوا من المناكفين للحكومة ، ومع ذلك لم يحصلوا على دعمها ، حتى وصل الأمر إلى أن كتلة الأصالة – وهي كتلة موالية للحكومة – قد أصبحت قناعة جمعيتها العمومية باستقالة نوابها ، لأنهم لم يحققوا لهم شيئاً خلال السنوات الماضية .. وهددوا بمقاطعة الانتخابات في عام ( 2006 ) !!

وإني لا أعلم – حتى الآن : بالوجه الصحيح الذي يستند إليه المطالبون بالمشاركة في انتخابات ( 2006 ) مع عدم إحراز تقدم في المسألة الدستورية .. وما أثبتته التجربة الحسية من نتائج سلبية !!

وفي مداخلة مقتضبة للدكتور عبد الجليل السنكيس : صرح أن أصول اللعبة غير موجودة ، وأن الذين يريدون أن يخدموا مكبلون .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : حول ضعف الأخذ بقرار المقاطعة من المعارضة وعدم تفعيلها آليات الضغط على الحكومة لتحقيق أهداف المقاطعة المشروعة .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

إن قرار المقاطعة صحيح في نفسه ، وطريقة الأخذ به من قبل المعارضة في الوقت الحاضر .. غير صحيحة ، وقد أثار ذلك الكثير من الإشكاليات العملية على القرار .

فالمنهج المتبع في الأخذ بقرار المقاطعة من المعارضة .. هو منهج : ( بين .. بين ) .. أي : المقاطعة الخجولة ، والسير على خط الصفر ، وهي منهجية خاطئة.. فيها : ضياع للوقت والجهد والمال والمكتسبات ، وليس فيها احترام لعقول الناس ، ويجب أن نتحرك لتصحيح المنهج قبل فوات الأوان .

وتعليقا على مداخلة أحد الحاضرين : حول التغيير من الداخل والاعتماد على الكوادر الأسود لتحقيق ذلك .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

الحسبان في العمل على التغير من الداخل ليس صحيحا .. وفي غير محله ، وقد أثبتت التجربة صحة هذا التقدير .. واعترف به صراحة : أعضاء من البرلمان ، كما اعترف به بعض الرموز البارزين الداعين إلى المشاركة .

وقد قلت مقولتي سابقا حول حقيقة هذا البرلمان : ولم تتغير قناعتي فيه حتى الآن ، بل زادتني التجربة العملية يقينا بصحة ما قلته فيه .

وأما عن دعوى الاعتماد على الأسود للتغيير من الداخل : فقد قلتها من قبل وأكررها : { أن أسودنا الأشاوس : إذا دخلوا هذا البرلمان ، فسوف تحاصرهم فيه الأرانب وتبول عليهم .. وتقتلهم الفئران } .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : عن المكاسب التي يمكن لنا أن نحققها من خلال البرلمان الحالي .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

حسب الوضع الدستوري الحالي وما يوفره من آليات دستورية للسلطة ، بالإضافة إلى الآليات السياسية التي يمكنها الحصول عليها .. والمتوفرة لديها فعلا ، فإنه يستحيل أن نحقق أي من الأهداف الكبيرة والجوهرية للمواطنين من خلال هذا البرلمان ، وإذا رضينا بأن نخضع للسلطة ونسايرها فسوف تعطينا القليل من الفتات فقط .

أما لو حاولت المعارضة مناكفة السلطة في البرلمان : فالسلطة تملك من الآليات الدستورية والسياسية ما يمكنها من تحويل البرلمان إلى محرقة سياسية للمعارضة .. ولهذا قلت سابقا : بأن المعارضة حمت نفسها من الاحتراق .. بامتناعها عن دخول البرلمان .

والسؤال المهم أخلاقيا : كيف أسمح لنفسي : بأن أدعوا الناس لأن يمشوا في طريق الذل والهوان والخنوع .. وبأي حق آمرهم : أن يقبلوا بالفتات ، وهم شعب عظيم قادر على تطوير نفسه والحصول على حقوقه ؟

إنني أؤكد لكم : بأن شعب البحرين شعب عظيم ، ونحن أيضا كتيار إسلامي شيعي : قادرون على تحقيق أهدافنا .. لو اتحدنا ونظمنا صفوفنا .

وردا على سؤال أحد الحاضرين : عن السبيل إلى الخروج من مأزق الاختلاف بين الرموز .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

أيها الأحبة الأعزاء : بالإضافة إلى ما قلته قبل قليل في هذا اللقاء عن هذا الموضوع ، فإن عليكم القيام بدراسة الوضع وتفحصه جيدا ، وتقييم مناهج الرموز والقيادات واطروحاتهم وأدائهم ومواقفهم ، وأصدروا أحكامكم عليهم بموضوعية ونزاهة ، واختاروا لأنفسكم بواقعية : عن وعي وبصيرة وإخلاص ، واحذروا من تقديم الإخلاص والولاء للأشخاص على الإخلاص والولاء للدين والوطن والمشاريع العامة التي تخدم مصالح الناس الجوهرية والأساسية . وأنا من جهتي سوف أقبل بما تحكمون به علي وأتحمل مسؤوليته .

وتعليقا على مداخلة أحد الحاضرين : حول سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم توفر الشروط .. قال الأستاذ عبد الوهاب حسين :

من الناحية الفقهية : فإن شروط العمل العبادي تنقسم إلى قسمين ..

القسم الأول : شروط الوجوب .. مثل : الاستطاعة للحج ، فإن الحج واجب على المستطيع ، وغير المستطيع لا يجب عليه الحج ، وغير المستطيع ليس مطالباً شرعا بالسعي لتوفير شرط الاستطاعة لكي يؤدي فريضة الحج ، لأن الفرض ساقط عن غير المستطيع أصلا .

القسم الثاني : شروط الواجب .. مثال : الصلاة واجبة ، والطهارة شرط للصلاة ، ويجب على المكلف أن يتطهر لكي يؤدي الصلاة ، ويسعى لتوفير الطهارة إذا لم تكن متوفرة .

وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القسم الثاني : فكما يجب على المكلف السعي لتوفير شروط الصلاة .. كالطهارة ، فإنه يجب عليه السعي لتوفير شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولا عذر لنا أمام الله تعالى إذا قصرنا .

أيها الأحبة الأعزاء : لو اجتمعت الأمة على قول كلمة { لا } للظالم ، لما وجدنا للظلم من أثر في مجتمعاتنا ، ولكن كل واحد منا يلقي المسؤولية على عاتق الآخرين .. ويحتج بعدم توفر شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يعمل بتكليفه الشرعي في السعي لتوفيرها ، حتى وصل الأمر إلى النتائج الكارثية التي نلمسها جميعا في مجتمعاتنا الإسلامية ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. وإنا إليه راجعون .

أكتفي بهذا المقدار ..
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم ..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى