الموقف الرسميبيانات

بيان بشأن حرق سيارة الجيب بالقرب من قرية النويدرات

بسم الله الرحمن الرحيم

تناقلت الصحف المحلية والمصادر الخبرية الأخرى في البحرين بأن خمسة من رجال الشرطة أصيبوا في حادث بإصابات بسيطة ( جروح ورضوض بأماكن مختلفة من الجسم ) إثر قفزهم خارج السيارة من شدة الصدمة ، وأصيب السائق باختناق ، ونقلوا جميعا إلى طوارئ السلمانية بسيارة إسعاف ، حيث فاجأ عدد من الملثمين المجهولين إحدى السيارات من نوع جيب من بين دورية أمنية مكونة من عدد من السيارات كانت تقوم بواجبها على شارع جابر الأحمد الصباح ، وهاجموها بالقرب من دوار قرية النويدرات بالزجاجات الحارقة ( المولوتوف ) ـ المعدة مسبقا لهذا العملية بحسب المصادر الخبرية ـ فأحرقوها بالكامل ، وفور وقوع الحادث سارعت دوريات الشرطة والمرور إلى المكان وباشروا التحقيق ، كما قامت قوات الأمن بفرض حصار أمني وتمشيط المنطقة بحثا عن الجناة ، فمنعوا المواطنين من الدخول إلى القرية أو الخروج منها ، وذلك ضمن الإجراءات الأمنية المعتادة التي تطبقها وزارة الداخلية في مثل هذه الحوادث المؤسفة ـ بحسب تعبير المصادر الخبرية ـ فيما طوقت قوات الشغب القرية تحسبا لوقوع أي طارئ ، مما أجبر العديد من أهالي القرية على اللجوء إلى منازل الأهل والأقارب في خارجها . إلا أن المصادر الخبرية لم تنقل خبر الاعتقال لأي أحد بتهمة ارتكاب هذه الجريمة ، ولم تنقل خبر حدوث مصادمات بين قوات الشغب وأهالي القرية ، غير أنها قالت : أن أجواء من الخوف والهلع قد سادت بين أهالي القرية جراء الحادث غير المتوقع ، حيث لم تكن هناك أية مقدمات أو مؤشرات في القرية تدل على توقع حدوثه مثل حدوث مواجهات مع قوات الشغب أو أي مظهر من مظاهر الاحتجاج في القرية قبل حدوث الحادث . وقد نقلت الصحف عن أهالي القرية تأكيدهم على أنهم بريئون من المسؤولية عن الحادث . وكان الحادث قد وقع ـ بحسب تصريح مدير عام أمن المنطقة الوسطى للمصادر الخبرية ـ في الساعة التاسعة والنصف من مساء الاثنين / ليلة الثلاثاء بتاريخ : ( 21 / مايو / 2007م ) ولم تختلف الصحف والمصادر الخبرية الأخرى في نقل تفاصيل جوهر الحادث ، وقد أجمعت على وصفه بالحادث الإرهابي ، كما صنفه وزير الداخلية ـ بحسب المصادر الخبرية ـ في دائرة التصعيد الخطير ضد رجال الأمن ، ونقلت المصادر الخبرية إدانة عدد من الجمعيات السياسية والأقلام الصحفية وشخصيات من المجتمع للحادث . أما الإعلام الشعبي المتمثل في المواقع الالكترونية ، فقد اختلفت فيها الأقلام ، حيث أدان عدد قليل منها الحادث بدون أي تحفظ ، بينما برره عدد كبير منها ، على أساس سلوك السلطة وحرمانها المواطنين من حقوقهم الطبيعية التي تفرضها المواثيق الدولية والعلاقة الصحيحة بين الحكومة والمواطنين في الدولة ، وعلى أساس سلوك قوات الشغب ودورهم في قمع المواطنين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة وترويعهم وتخويهم وانتهاكاتها للأعراض والحرمات ، وعلى أساس تصنيف رجال قوات الشغب في دائرة المرتزقة الذين يتعيشون على حساب راحة المواطنين وأمنهم وسلامتهم وسلب حقوقهم الطبيعة في الحياة . وهنا ينبغي الوقوف مليا على ظاهرة الانحياز في المواقف التي تتعلق بالشؤون والقضايا الوطنية والأحكام المتعلقة بها لدى مختلف الأطراف ، حيث نجد دائما الانحياز الطائفي والحزبي والفئوي الأعمى والمتخشب في المواقف والأحكام المتعلقة بها ، بحيث يتوقعها المراقب من الأطراف المتعددة قبل صدورها . كما نجد المواقف والأحكام المنحازة للصحف المتخشبة ، ولنواب الرمونت كنترول ، ولرجال شرف هواتف العملة ومفكريها ، فمثلا : عندما يحدث شيء ضد قوات الشغب نجدهم يرفعون عقيرتهم بالشجب والإدانة والاستنكار ، وعندما يتم الاعتداء على الأبرياء من أبناء الشعب يبررون ذلك أو يخفون رؤوسهم في التراب ، كما حدث في الاعتداء على ندوة النويدرات وفي قضية الشهيد عباس الشاخوري ، كما نجد نفس السلوك لدى الفريق الآخر حينما يتعلق الأمر بالسلطة وقوى الموالاة مثلا . وهذا بلا شك يعتبر في الحالة الأولى وقوفا إلى صف القوي الظالم ضد الضعيف المظلوم ، وفي الحالة الثانية وقوفا ضد الحق والعدل حينما يكون الطرف الآخر محقا في مواقفه ، وفي كلا الحالتين مخالفة قطعية للعقل والضمير وللمسؤولية والقيم الدينية ومخالفة قطعية للمصالح الوطنية العليا ، فالمطلوب ـ بحسب ما يفرضه العقل والدين والقيم الإنسانية والمصالح الوطنية العليا ـ هو إدانة كل تعدي على أية نفس بريئة من المواطنين أو الشرطة أو غيرهم ، وكل تعدي على أي حق من الحقوق الثابتة لأي طرف من الأطراف أي كان : السلطة أو القوى السياسية الأهلية أو غيرها ، وكل تعدي على أية مصلحة عامة أو خاصة بدون حق أو مبرر يقبله العقل والدين والقيم الإنسانية الرفيعة والمصالح الوطنية العليا ، وليس الوقوف ضد المصالح أو المكاسب غير المشروعة للسلطة أو لهذه الطائفة أو الفئة أو الحزب أو تلك ، من أجل العدل والمساواة بين كافة المواطنين وتحقيق المصالح العامة المشتركة . وفي هذا السياق آتي لتقييم بعض الأوضاع والمواقف منها ، والسعي لوضع النقاط على الحروف فيها ، ليتبين لنا الحق من الباطل ، والعدل من الظلم ، وما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا في ذلك كله ، وذلك من خلال توجيه عدد محدد من الأسئلة والإجابة الإجمالية عليها ..

السؤال ( 1 ) : أيهما أكبر جريمة وأخطر وأقبح في حكم العقل والدين والقيم ، وأيهما أولى بالشجب والإدانة : إرهاب الدولة بما تملكه من عدد وعتاد ضد مواطنيها ، أم إرهاب عدد قليل من المواطنين ضد رجال من الأمن ؟

السؤال ( 2 ) : أيهما أكبر جريمة وأخطر وأقبح في حكم العقل والدين والقيم ، وأيهما أولى بالشجب والإدانة : التصعيد الأمني من قبل السلطة من خلال الإفراط في القوة والقمع الوحشي للندوات والتجمعات والمسيرات والاحتجاجية السلمية والاعتداء على الأهالي الأبرياء في البيوت والشوارع والمحلات التجارية بدون مبرر ، وإنزال العقاب الجماعي لأهالي القرى والمدن بواسطة مسيلات الدموع الكثيفة واستهداف المواطنين العزل فيها بالرصاص المطاطي وتسديده بصورة مباشرة إلى أجسادهم في حالات تشبه عمليات القنص بل هي منها ، وهتك الأعراض والحرمات والسلب والنهب ، وضرب المعتقلين وتعذيبهم حتى الموت ، وإخافة أهالي المعتقلين وترويعهم بالهجوم عليهم في مراكز الشرطة بواسطة القوات الخاصة لمجرد أنهم يطالبون بحقهم الطبيعي في معرفة مصير أبنائهم في أقبية السجون بعد الاعتقال ، بالإضافة إلى التجنيس السياسي والتمييز الطائفي وغيرها ؟ أم إحراق الحاويات والإطارات ورمي الزجاجات الحارقة على سيارات الشرطة ؟

السؤال ( 3 ) : من هو أكثر إجراما في حكم العقل والدين والقيم ، وأيهما أولى بالشجب والإدانة : من جاء من بلده وجُنس ليغرق الأبرياء بمسيلات الدموع والرصاص المطاطي وينتهك حرمات المنازل والأعراض ويسرق وينهب أموال الناس أثناء تفتيش البيوت والمحلات ويقتل تحت التعذيب ومن أمره بذلك ، أم من يحرق الحاويات والإطارات ويرمي الزجاجات الحارقة على رجال الشرطة الذين يرى بأنهم جُلبوا من بلدانهم وجُنسوا ليمارسوا القمع والإرهاب ضده لا لشيء إلا لأنه يطالب بحقوقه الطبيعة المشروعة في الحياة ؟

والجواب على الأسئلة الثلاثة : أنني من حيث المبدأ لست مع التوتير الأمني ، وأدعو إلى الأساليب السياسية في المطالبة بالحقوق ، وأرى بأنها الأجدر والأقدر على تحقيق المطالب وأحفظ للمصالح الوطنية والسلم الأهلي . إلا أنني أرى بحسب التصنيف العلمي لدي : بأن حرق الإطارات وحاويات القمامة ليست في دائرة أساليب العنف . أما الرد عليها بالقوة المفرطة واستخدام العقاب الجماعي للمواطنين بدون تمييز بين مشارك وغير مشارك من الرجال والنساء من الشيوخ والشباب والأطفال المرضي وغير المرضى ، وما تقوم به قوات الشغب من قمع المسيرات والتجمعات والاحتجاجات السلمية ، هو من العنف وإرهاب الدولة قطعا . أما إلقاء الزجاجات الحارقة على سيارات الشرطة فهو من العنف ما لم يدخل في دائرة الدفاع عن النفس ، وهو في حادث قرية النويدرات لو ثبت ليس في دائرة الدفاع عن النفس ، إلا أن الإصابات والأضرار الناتجة عنه لا تساوي شيئا ـ من حيث الكم والنوع ـ بالنسبة إلى الأضرار التي أصابت الأهالي الأبرياء من الأطفال والشيوخ والشباب من الرجال والنساء بسبب القمع والاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الشغب ، وكان من الممكن أن تكون هناك خسائر فادحة في الأرواح نظرا للطلق المكثف لمسيل الدموع والرصاص المطاطي بما فيه على المنصة ، حيث كان من الاحتمال شديد الوقوع أن الإصابات البليغة التي أصابت الشباب تكون في مناطق حساسة من الجسم كالرأس ، ولو حدث هذا ـ وكان بعضها قد أصاب الرقبة مثلا ـ لتكررت من جديد مأساة الشهيد السعيد محمد جمعة بأعداد كبيرة . وأيضا لو كانت الإصابات في الرموز من خلال الاستهداف المكثف للمنصة ، لحدثت مأساة وطنية لا تحمد عقباها . وقد عد البعض حادث إحراق الجيب من قبيل رد الفعل على الجريمة التي ارتكبتها قوات الشغب بضرب الندوة السلمية في قرية النويدرات ، وهي جريمة لا تمت بصلة إلى دولة المؤسسات والقانون ، وهي جريمة مخالفة للمواثيق الدولية ولدستور : 2002 الذي ضمن للمواطنين الحق في إقامة مثل هذه الندوة ( المادة : 28 . ب ) واعتبر كل قانون ينال من جوهر هذا الحق قانونا غير دستوري ( المادة : 31 ) كما أعتبر البعض ارتكاب هذه الجريمة مما يستحق الشجب والإدانة والاستنكار والمساءلة لوزير الداخلية والمطالبة الجماهيرية باستقالته من منصبه ، واستحضروا إقالة وزير الداخلية السابق ، حيث ارتبطت إقالته في ذهن الكثير من المواطنين ووسائل الإعلام المحلية والأجنبية بالتعرض إلى مسيرة سلمية قادتها الرموز الدينية والوطنية حول الحرب على العراق ، وهذا ما أوحت به السلطة أيضا إلى المواطنين وإلى وسائل الإعلام في الداخل والخارج ، وقيل في وقتها ـ حيث كان المواطنون لا زالوا يعيشون الأمل والطموح في الإصلاح : بأن الخطوة سوف تتبعها خطوات تهدف إلى تغيير هيكل الوزارة وإعداد رجال الأمن من أجل تحسين صورة الوزارة ورجال الأمن لدى المواطنين ، ليصبح وجود الوزارة ورجال الأمن في فكر وشعور المواطنين ، يرتبط بالأمن وحماية مصالح المواطنين وراحتهم ، إلا أن الوضع في الواقع انقلب رأسا على عقب هذه الأيام ، وأصبح وجود رجل الأمن يرتبط لدى الأطفال والكبار بالقمع وإرهاب المواطنين وترويعهم وتخويفهم ، ولن يجدي شيئا تدريس الأطفال في المدارس مادة المواطنة ، فالواقع يقول : بأن الأطفال في المرحلة الابتدائية كثيرا ما يحتجون على مدرسيهم ويحرجونهم بالأسئلة التي يستقونها من خلال التجربة ومشاهداتهم على أرض الواقع ، فالمطلوب من أجل ترسيخ الولاء للنظام هو إصلاح الواقع وليس نشر التكاذب بين المواطنين ، ومن أجل فتح صفحة جديدة : يجب مساءلة كافة المسؤولين في الدولة عن تأزيم الوضع الأمني ومحاسبتهم على ذلك ، وإذا تطلب الأمر إقالتهم من مناصبهم يجب أن يقالوا ، من أجل الحق والعدل والوطن والدولة وسعادة المواطنين وأمنهم وراحتهم ، فهذا ما يتطلع إليه جميع المواطنين الشرفاء ، على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم الروحية والفكرية والسياسية .

ومن جهة ثانية : فإني من خلال التدقيق فيما تناقلته المصادر الخبرية ، أشك في نسبة حادث إحراق الجيب إلى المواطنين ، فالحادث ـ بحسب المصادر الخبرية ـ قد نفذه عدد من الملثمين بزجاجات حارقة على سيارة من بين عدد من السيارات لدورية أمنية على شارع الشيخ جابر الصباح ، والشارع كما يعلم الجميع من الشوارع العامة المزدحمة بالسيارات والمارة ، وتفصله عن بيوت القرية مساحة واسعة من الأرض الخالية ، ولو فرضنا ـ كما يدل عليه مكان الحادث ـ أن السيارة متوقفة في الساحة المفتوحة بين الشارع وبيوت القرية ، ففي الحالتين يستحيل تنفيذ العملية من قبل أحد من المواطنين ، لأن أفراد الدورية المستهدفة والدوريات الأخرى التي كانت معها سوف يلتفتون قطعا إلى وجود الملثمين ، لا سيما وهم ملثمون ويحملون الزجاجات الحارقة المشتعلة قطعا ( الملوتوف ) المعدة مسبقا ـ بحسب بعض المصادر الخبرية ـ لتنفيذ العملية ، ولدى أفراد الدوريات الوقت الكافي للتعامل معهم بحكم المساحة الواسعة من الأرض الخالية ، وإذا لم يلتفت جميع أفراد الدورية والدوريات الأخرى لهؤلاء الملثمين الذين يحملون الزجاجات الحارقة ، ولم يستطيعوا التعامل معهم في مثل هذه الحالة ، فهم جميعا لا يصلحون للمهمة التي تم تكليفهم بها ويجب محاسبة مسؤوليهم ، ونحن نعلم بأن أفراد الدوريات مسلحون ولديهم أوامر بالدفاع عن النفس ـ بحسب تصريحات سابقة لمسؤولين في وزارة الداخلية ـ فالملثمون من البشر قطعا ، وليسوا من الجن أو الملائكة لكي لا تراهم عيون أفراد الدوريات ، وكل من يشك في هذا التشخيص عليه أن يعاين مكان الحادث لكي يحكم لصالح هذا التشخيص أو ضده . ومما سبق فإني أشك وأخشى بأن يكون الحادث مفتعل من قبل وزارة الداخلية وذلك لتحقيق هدفين ..

الهدف الأول : صرف الاهتمام والأنظار عن قمع ندوة قرية النويدارات الذي كان فيه موقف وزارة الداخلية في غاية الضعف إلى الدرجة التي تجرأت فيه بعض الأقلام في الصحف المحلية ولأول مرة على إدانته ، وتوجيه الاهتمام والأنظار إلى حادث حرق جيب الشرطة ، ويساعد على ذلك حجم الفزعة والضجة الشديدة للأجهزة الأمنية والعدد الهائلة من قوات الشغب للتعامل مع الحادث بما يفوق كثيرا الحاجة إليها .

الهدف الثاني : الرد على البيان السابق الذي أحرج ـ بحسب تقديري ـ وزارة الداخلية بخصوص التعامل مع الندوة السلمية في قرية النويدرات ، فسعت من خلال حادث إحراق الجيب لإثبات وجود مخربين وملثمين إرهابيين في قرية النويدرات ، ولتعطي انطباعا للرأي العام بذلك ، لتبرير الشراسة منقطعة النظير لقوات الشغب في قمع المشاركين في الندوة مع أهالي القرية في يوم الندوة ، والتي لا تزال تحاول من خلال بعض الأقلام الهزيلة في الصحافة المحلية تبريره ، لا سيما مع الموقف الشجاع لصاحب المحل التجاري المحروق بإصراره على تحميل قوات الشغب المسؤولية عن حرق المحل ، وفشل مساعي المحافظ في الحصول منه على اتهام من وصفهم بالمخربين والملثمين بحرق المحل وتحميلهم المسؤولية عن ذلك . ومما يساعد على تفنيد مساعي وزارة الداخلية عدم قيام أهالي القرية بأي عمل يقربهم من التفكير في القيام بالجريمة في الأيام التي سبقت الحادث ويحضرهم نفسيا إليه ، فلم تحدث في القرية أية مواجهات مع قوات الشغب أو حرق للإطارات والحاويات في الشوارع أو ما شابه ذلك ، رغم تصاعد التوترات الأمنية في الساحة الوطنية ، وحدوث مواجهات مع قوات الشغب في عدد كبير من القرى والمدن في البحرين ، ويختلف الأمر إذا فرضنا أن الفاعلين كانوا من غير أبناء القرية ، إلا أن هذا الفرض يجعل تنفيذ العملية أصعب قطعا ، مما يحمل على استبعاده أيضا .

أما إذا انتقلنا من خصوصية حادث الجيب في قرية النويدرات إلى الحالة العامة على الساحة الوطنية ، فإنني لا استبعد قيام بعض المواطنين الغاضبين ببعض الأحداث المماثلة هنا أو هناك ، فمن الطبيعي ـ وبحسب فطرة الإنسان العادي ومنطق الأشياء ـ أن الضغط يولد الانفجار ، وأن المظلوم يسعى للرد والانتقام من الظالم بأي شكل من الأشكال ، إلا أن التجربة أثبتت أن الشعب هو أكثر حكمة وضبطا للنفس من السلطة التي تسعى غالبا إلى التصعيد الأمني وتمارس العنف ضد أبناء الشعب من طرف واحد ـ كما حدث في قمع ندوة النويدرات بوحشية وبصورة غادرة ـ إلا أن الأحداث المماثلة التي يتوقع قيام بعض المواطنين بها كردة فعل على سلوك السلطة ـ تدل بحق على صحة تشخيص وزير الداخلية للحالة وتصنيفها في دائرة التصعيد الخطير ، مما يحملنا على الوقوف جميعا : مواطنين وسلطة بأمانة أمام تشخيص الحالة ، وتحمل مسؤولياتنا الدينية والوطنية ومعالجتها بصدق ، فهذه الحالات تدل على انفتاح باب العنف والعنف المضاد في الساحة الوطنية بين السلطة وأبناء الشعب ، ومع استمرار هذا الوضع بدون معالجة صادقة ، فإنه لا أحد يستطيع أن يتوقع إلى أين ستسير الأمور ، وإلى أين سوف تصل ؟ وأقطع بأن لا أحد من الطرفين : المواطنون والسلطة يستطيع أن يلغي دور الآخر ويفرض سيطرته الكاملة عليه ، مما يدلنا على وجوب الحذر وتحكيم العقل والمنطق لدى الطرفين ، والسعي الصادق والجاد في سبيل إيجاد الحلول السياسية الحكيمة والواقعية لقضايا الشأن الوطني وملفاته الحيوية الساخنة من قبل السلطة والمعارضة معا ، وذلك من خلال الحوار السياسي الجاد بينهما ، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار في الوطن ، والاستجابة لمطالب الشعب مصدر السلطات جميعا ، والابتعاد عن التوتير الأمني وممارسة العنف والإرهاب لا سيما من قبل السلطة ، لأن العنف والإرهاب من قبل السلطة أشنع وأقبح ، لأنها تستمد شرعية وجودها وسلوكها من إرادة الشعب ، وهي مكلفة بحفظ الأمن والاستقرار في البلاد والسهر على حفظ مصالح المواطنين وراحتهم ، ومن شأن ممارسة العنف والإرهاب من قبلها أن يسلبها شرعية الوجود والممارسة ، وأن يولد الانفجار والغضب الشعبي في الشارع ضدها ، الأمر الذي ينبغي على السلطة أن تحذره بحق وتحاسب لكي لا يقع بأي حال من الأحوال ، لأنه إذا وقع لا سمح الله ، فسوف تكون النتيجة قطعا أسوء مما كانت عليه الأوضاع في تجربة التسعينات المأساوية والمؤلمة جدا لكل مواطن شريف يرتبط بهذا الوطن العزيز ويريد لأبنائه الرفاهة والعزة والمجد والمحبة والكرامة والسلام . وعليه فإني أجدد مطالبتي السابقة لجلالة الملك بأن يعيد قراءة ما آلت إليه الأوضاع على ساحتنا الوطنية ، وأن يجدد النظر في الملفات الساخنة العالقة والسعي الصادق والجاد لمعالجتها على أسس قانونية وحقوقية وسياسية سليمة من خلال الحوار الجاد مع قوى المعارضة وكافة القوى والأطراف السياسية المعنية قبل فوات الأوان . أقول هذا بغض النظر عما يقال عن تصارع الأجنحة في العائلة المالكة وفي داخل الديوان الملكي حول كيفية التعاطي مع المعارضة لا سيما خط الممانعة والملفات الساخنة ، بدون أن أقلل بطبيعة الحال من أهمية صراع الأجنحة وأتجاهل دوره وتأثيره في تقرير الأمور على الساحة الوطنية ، وذلك لأن الملك هو وحده الذي بيده مفتاح ( الكي ماستر ) الذي يفتح جميع الأبواب في إدارة السلطة ، فبيده العزل والتنصيب ، وبيده جميع الأوراق التي يقوم بتوزيعها على جميع أعضاء فريق السلطة وقوى الموالاة أيضا . إنني أجدد مطالبتي لجلالة الملك بالتدخل السريع أولا لنزع فتيل التوتر الأمني ومفتاحه الأول إطلاق سراح كافة المعتقلين ، حيث أن قضية المعتقلين تمثل الفتيل الأول الذي أشعل الأزمة الأمنية ، ولازالت هي المسؤول عن تفجير الأزمات الأمنية في قرى ومناطق البحرين الواحدة تلو الأخرى ، ثم إنهاء دور قوات الشغب القمعي للمواطنين ، والدعوة إلى حوار وطني تشترك فيه كافة الأطراف والقوى السياسية من أجل حلحلة الملفات الساخنة العالقة في الساحة الوطنية على أسس قانونية وحقوقية وسياسية سليمة ، تعترف بإقامة العدل والمساواة بين كافة المواطنين بدون تمييز ، وتضمنه عمليا على أرض الواقع ، وليس مجرد شعارات أو بنود مسطرة في الوثائق القانونية والسياسية مع التجاهل العملي لها على أرض الواقع كما هو حاصل في الوقت الحاضر بتجاهل بنود الدستور وميثاق العمل الوطني في العمل والتطبيق ، وأرى بأن الاستجابة الصادقة لهذه الدعوة مما يصب في مصلحة الملك الشخصية كحاكم لهذا البلاد ، ويصب في خدمة سمعة هذا الوطن العزيز وتاريخه المجيد ، وفي خدمة مصالح كافة المواطنين بدون تمييز . كما أدعو كافة قوى المعارضة للابتعاد عن كل ما من شأنه التوتير الأمني في الساحة الوطنية ، والتركيز على الأساليب السياسية السلمية في المطالبة بالحقوق الوطنية ، بما في ذلك المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ، فالأساليب السياسية السلمية هي الأقدر على تحقيق المطالب ، وهي الأجدر بالمحافظة على السلم الأهلي والعيش المشترك بين كافة المواطنين . كما أدعو القوى السياسية كافة إلى تجاوز خلافاتها والخروج عن دوائر التخندق الطائفي والحزبي والفئوي وحول المصالح الإنية والذاتية ، وإلى التفكير بعمق وصدق في المصالح الوطنية العليا وتحقيق العدل والمساواة بين كافة المواطنين بدون تمييز بينهم في الحقوق والوجبات ، فهذا وحده الذي من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار لهذا الوطن وتحقيق السلم الأهلي والعيش المشترك الكريم والحياة الرغيدة والرفاه لكافة أبنائه .

صادر عن : عبد الوهاب حسين .

صباح يوم الخميس .

بتاريخ : 7 / جمادى الأولى / 1428هج .

الموافق : 24 / مايو ـ آيار / 2007م .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى