الولي القائدخطابات

كلمة قائد الثورة الاسلامية آية الله العظمى السيد الخامنئي في مؤتمر العالمي لعلماء الدين والصحوة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وآله الأطيبين وصحبه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أرحب بكم أيها الضيوف الأعزاء، وأسأل الله العزيز الرحيم أن يبارك في هذا الجهد الجماعي، وأن يجعله شوطاً فاعلاً على طريق حياة أفضل للمسلمين إنه سميع مجيب.

موضوع الصحوة الإسلامية الذي ستتناولونه في هذا المؤتمر هو اليوم في رأس قائمة قضايا العالم الإسلامي والأمة الإسلامية؛ إنه ظاهرة عظيمة لو بقيت سليمة واستمرّت بإذن الله لاستطاعت أن تقيم الحضارة الإسلامية في أفق ليس ببعيد للعالم الإسلامي ومن ثَمّ للبشرية جمعاء.

إنّ البارز أمام أعيننا اليوم، ولا يستطيع أي إنسان مطّلع وذي بصيرة أن ينكره هو أن الإسلام اليوم قد خرج من هامش المعادلات الاجتماعية والسياسية في العالم، واتخذ موقعاً بارزاً وماثلاً في قلب العناصر المشكّلة لحوادث العالم، ليقدّم رؤية جديدة على ساحة الحياة والسياسة والحكم والتطورات الاجتماعية. ويشكل ذلك، في عالمنا المعاصر الذي يعاني بعد هزيمة الشيوعية والليبرالية من فراغ فكري ونظري عميق، ظاهرةً ذات مغزى وأهمية بالغة.

وهذا أول أثر تركته الحوادث السياسية والثورية في شمال أفريقيا والمنطقة العربية على الصعيد العالمي، وهو بدوره يبشّر بظهور حقائق أكبر في المستقبل.

إنّ الصّحوة الإسلامية التي يتجنّب المتحدّثون باسم جبهة الاستكبار والرجعية ذكرها، بل يخافون أن يجري اسمها على ألسنتهم، هي حقيقةٌ نرى معالمها اليوم في أرجاء العالم الإسلامي كافة. وأبرز معالمها تطلّع الرأي العام وخاصة جيل الشباب إلى إحياء مجد الإسلام وعظمته، ووعيهم لحقيقة نظام الهيمنة العالمية، وانكشاف الوجه الخبيث والظالم والمستكبر لحكومات ودوائر أنشبت أظفارها الدامية لأكثر من قرنين في المشرق الإسلامي وغير الإسلامي، وجعلت مقدرات الشعوب عرضة لنزعتها الشّرسة والعدوانية نحو الهيمنة، وذلك بقناع المدنية والثقافة.

أبعاد هذه الصحوة المباركة واسعة غاية السّعة وذات امتداد رمزي، ولكن ما حققته من نتائج ناجزة في بعض بلدان شمال أفريقيا من شأنه أن يجعل القلوب واثقة بنتائج مستقبلية كبرى وهائلة. إن تحقق معاجز الوعود الإلهية يحمل دائماً معه دلالات أمل يبشّر بتحقق وعود أكبر. وما يحكيه القرآن الكريم عن الوعدين الإلهيين لأمّ موسى هو نموذج من هذه السنّة الربانية.

إذ في تلك اللحظات العسيرة، حيث صدر الأمر بإلقاء الصندوق حامل الرضيع في اليمّ، جاء الخطاب الإلهي بالوعد “إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”(1) إن تحقق الوعد الأوّل، وهو الوعد الأصغر الذي ربط على قلب الأم، أصبح منطلقاً لتحقق وعد الرسالة، وهو أكبر بكثير، ويستلزم طبعاً تحمّل المشاق والمجاهدة والصبر الطويل “فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولَا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ”(2) هذا الوعد الحقّ هو تلك الرسالة الكبرى التي تحققت بعد سنين وغيّرت مسيرة التاريخ. ومن النماذج الأخرى، التذكير بالقدرة الإلهية الفائقة في قمع مهاجمي الكعبة، والذي ورد في القرآن بلسان الرسول الأعظم “ألم يجعل كيدهم في تضليل”(3) وذلك لتشجيع المخاطبين على امتثال الأمر الإلهي “فليعبدوا ربّ هذا البيت”(4)

وفي موضع آخر يذكّر سبحانه رسوله بما أغدقه عليه من نعم تشبه المعجزة “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىووَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى” ليكون ذلك وسيلة لتقوية معنويات نبيّه الحبيب وإيمانه بالوعد الإلهي في قوله “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى”(5) ومثل هذه الأمثلة كثيرة في القرآن الكريم.

حين انتصر الإسلام في إيران، واستطاع أن يفتح قلاع أمريكا والصهيونية في أحد أكثر البلدان حساسية بامتياز من هذه المنطقة المهمّة، عَلِم أهل العبرة والحكمة أنهم إذا انتهجوا طريق الصبر والبصيرة فإن فتوحات أخرى ستتوالى عليهم وقد توالت فعلاً.

إن الحقائق الساطعة في الجمهورية الإسلامية والتي يعترف بها الأعداء قد تحققت بأجمعها في ظل الثقة بالوعد الإلهي والصبر والمقاومة والاستمداد من ربّ العالمين. دائماً كان شعبنا يرفع صوته بالقول “كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”(6) أمام وساوس الضعفاء الذين كانوا يُردّدون في الفترات الحرجة “إِنَّا لَمُدْرَكُونَ”(7)

هذه التجربة الثّمينة هي اليوم في متناول الشّعوب التي نهضت بوجه الاستكبار والاستبداد، واستطاعت أن تسقط أو تزلزل عروش الحكومات الفاسدة الخاضعة والتابعة لأمريكا. بإمكان الثبات والصبر والبصيرة والثقة بالوعد الإلهي في قوله سبحانه “ولَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز”(8) أن يُمهّد طريق العزّ هذا أمام الأمة الإسلامية حتى تصل إلى قمة الحضارة الإسلامية.

إنني في هذا الاجتماع الهامّ لعلماء الأمّة بمختلف أقطارهم ومذاهبهم أرى من المناسب أن أبيّن بضع نقاط ضرورية حول قضايا الصحوة الإسلامية:

الأولى: إن الأمواج الأولى للصحوة في بلدان هذه المنطقة، والتي اقترنت مع بدايات دخول الغزو الاستعماري، قد انطلقت غالباً على يد علماء الدين والمصلحين الدينيين. لقد خلَّدت صفحات التاريخ وللأبد أسماء قادة وشخصيات بارزة من أمثال السيد جمال الدين الأسد آبادي، ومحمد عبده، والميرزا الشيرازي، والآخوند الخراساني، ومحمود الحسن، ومحمد علي، والشيخ فضل الله النوري، والحاج آقا نور الله، وأبي الأعلى المودودي، وعشرات من كبار علماء الدين المعروفين والمجاهدين وذوي النفوذ، من إيران ومصر والهند والعراق. ويبرز في عصرنا الراهن اسم الإمام الخميني العظيم مثل كوكب ساطع على جبين الثورة الإسلامية في إيران. وكان لمئات العلماء المعروفين وآلاف العلماء غير المعروفين في الحاضر والماضي دورٌ في المشاريع الإصلاحية الكبيرة والصغيرة في ساحات مختلف البلدان. وقائمة المصلحين الدينيين من غير علماء الدين كحسن البنا وإقبال اللاهوري هي طويلة أيضاً ومثيرة للإعجاب.

وقد كانت المرجعيّة الفكريّة لعلماء الدين ورجال الفكر الديني بدرجة وأخرى، وفي كل مكان. لقد كانوا سنداً روحياً قوياً للجماهير، وحيثما قامت قيامة التحولات الكبرى ظهروا في دور المرشد والهادي، وتقدموا لمواجهة الخطر في مقدمة صفوف الحراك الشعبي، وازداد الارتباط الفكري بينهم وبين الناس، وغدوا أكثر تأثيراً في دفع الناس نحو الطريق الصحيح. وهذا له من الفائدة والبركة لنهضة الصحوة الإسلامية بمقدار ما يجرّ من انزعاج وامتعاض على أعداء الأمة والحاقدين على الإسلام والمعارضين لسيادة القيم الإسلامية ما يدفعهم إلى محاولة إلغاء هذه المرجعية الفكرية للمؤسسات الدينية واستحداث أقطاب جديدة عرفوا بالتجربة أنه بالإمكان المساومة معها بسهولة على حساب المبادئ والقيم الدينية. وهذا ما لا يحدث إطلاقاً مع العلماء الأتقياء ورجال الدين الملتزمين.

هذا ما يضاعف ثقل مسؤولية علماء الدين. فعليهم أن يسدّوا الطريق أمام الاختراق بفطنة ودقّة متناهية وبمعرفة أساليب العدوّ الخادعة وحيله، وأن يحبطوا مكائده. إن الجلوس على الموائد الملوّنة بمتاع الدنيا هو من أكبر الآفات، وإنّ التلوّث بهبات أصحاب المال والسلطة وعطاياهم، والارتباط المادي بطواغيت الشّهوة والقوة من أخطر عوامل الانفصال عن الناس والتفريط بثقتهم ومحبتهم. فالأنانية وحبّ الجاه الذي يجرّ الضعفاء إلى أقطاب القوة يشكّلان أرضيّة خصبة للتلوّث بالفساد والانحراف. لا بدّ أن نضع نصب أعيننا قوله سبحانه “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولَا فَسَادًا والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”(9)

إننا اليوم، في عصر حراك الصحوة الإسلامية وما تبعثه في النفوس من أمل، نشاهد أحيانًا مساعي خَدَمَ أمريكا والصهيونية لاصطناع مرجعيات فكرية مشبوهة من ناحية، ومساعي الغارقين في المال ومستنقع الشهوات لجرّ أهل الدين والتقوى إلى موائدهم المسمومة الملوثة من ناحية أخرى.

فعلى علماء الدين والرجال المتدينين والمحافظين على الدين أن يراقبوا هذه الأمور بشدّة ودقّة.

المسألة الثانية، ضرورة رسم هدف بعيد المدى للصحوة الإسلامية في البلدان المسلمة يوضع أمام الجماهير ليكون البوصلة في حركتها للوصول إليه. وبمعرفة هذا الهدف يمكن رسم خريطة الطريق وتحديد الأهداف القريبة والمتوسطة. هذا الهدف النهائي لا يمكن أن يكون أقل من إقامة الحضارة الإسلامية المجيدة. فالأمة الإسلامية، بكل أجزائها في إطار الشعوب والبلدان، يجب أن تعتلي مكانتها الحضاريّة التي يدعو إليها القرآن الكريم.

إن من الخصائص الأصلية والعامة لهذه الحضارة استثمار أبناء البشر لجميع ما أودعه الله في عالم الطبيعة وفي وجودهم من مواهب وطاقات مادية ومعنوية لتحقيق سعادتهم وسموّهم. ويمكن، بل وينبغي مشاهدة مظاهر هذه الحضارة في إقامة حكومة شعبية، وفي قوانين مستلهمة من القرآن، وفي الاجتهاد وتلبية الاحتياجات المستحدثة للبشر، وفي رفض الجمود الفكري والرجعية، ناهيك عن البدعة والالتقاط، وفي إنتاج الرفاه والثروة العامة، وفي استتباب العدل، وفي التخلص من الاقتصاد القائم على الاستئثار والربا والتكاثر، وفي إشاعة الأخلاق الإنسانية، وفي الدفاع عن المظلومين في العالم، وفي السعي والعمل والابداع.

ومن مستلزمات هذا البناء الحضاري النظرة الاجتهادية والعلمية للساحات المختلفة بدءاً من العلوم الإنسانية ونظام التربية والتعليم الرسمي، ومروراً بالاقتصاد والنظام المصرفي، وانتهاء بالإنتاج الصناعي والتقني ووسائل الإعلام الحديثة والفن والسينما، بالإضافة إلى العلاقات الدوليّة وغيرها من الساحات.

وتدلّ التّجربة على أنَّ كل ذلك ممكن وفي متناول مجتمعاتنا بطاقاتها المتوفرة. لا يجوز أن ننظر إلى هذا الأفق بنظرة متسرّعة أو متشائمة. التشاؤم في تقويم قدراتنا كفران بنعم الله، والغفلة عن الإمداد الإلهيّ ودعم سنن الخلق انزلاق في ورطة “الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ”(10)

نحن قادرون على أن نكسر حلقة الاحتكارات العلمية والاقتصادية والسياسية لقوى الهيمنة، وأن نجعل الأمة الإسلامية سبّاقة لإحقاق حقوق أكثريّة شعوب العالم التي هي اليوم مقهورة أمام أقلية مستكبرة.

الحضارة الإسلامية بمقوماتها الإيمانية والعلمية والأخلاقية، ومن خلال الجهاد الدائم، قادرة على أن تقدم للأمة الإسلامية وللبشرية المشاريع الفكرية المتطورة والأخلاق السامية، وأن تكون منطلق الخلاص من مظالم الرؤية المادية للكون ومن الأخلاق الغارقة في مستنقع الرّذيلة التي تشكل أركان الحضارة الغربية القائمة.

المسألة الثالثة: ينبغي في إطار حركات الصحوة الإسلامية الالتفات دائماً إلى التجربة المرّة والفظيعة التي تركتها التبعّية للغرب على السياسة والأخلاق والسلوك ونمط الحياة.

لقد مُنيت البلدان الإسلامية، خلال أكثر من قرن من التبعية لثقافة الدول المستكبرة وسياستها، بآفات مهلكة مثل التبعية والذّلة السياسية والفقر الاقتصادي وتهاوي الأخلاق والفضيلة، والتخلّف العلمي المُخجِل، بينما الأمة الإسلامية تمتلك تاريخاً مشرقاً من التقدم في جميع هذه المجالات.

لا ينبغي اعتبار هذا الكلام مناصبة العداء للغرب، نحن لا نكنّ العداء لأية مجموعة إنسانية بسبب تمايزها الجغرافي. نحن تعلمنا من الإمام علي (عليه السلام) ما قاله عن الإنسان أنه: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.(11)اعتراضنا إنما هو على الظلم والاستكبار والتحكم والعدوان والفساد والانحطاط الأخلاقي والعملي الذي تمارسه القوى الاستعمارية والاستكبارية ضد شعوبنا. ونحن الآن أيضاً نشاهد تحكّم وتدخل وتعنّت أمريكا وبعض ذيولها في المنطقة داخل البلدان التي تَحوّلَ فيها نسيم الصحوة إلى نُهوض عاصف وإلى ثورة. وإن وعود هؤلاء وتهديداتهم ينبغي أن لا تؤثر في قرارات ومبادرات النّخب السياسية وفي الحركة الجماهيرية العظيمة.

وهنا أيضاً يجب أن نتلقى الدروس من التجارب. أولئك الذين تعلقت قلوبهم لسنوات طويلة بوعود أمريكا وجعلوا الركون إلى الظالم أساساً لنهجهم وسياستهم لم يستطيعوا أن يحلّوا مشكلة من مشاكل شعوبهم أو أن يبعدوا ظلماً عنهم أو عن غيرهم. بل إن هؤلاء باستسلامهم لأمريكا لم يستطيعوا أن يحولوا دون هدم بيت فلسطيني واحد على الأقل في أرض هي ملك للفلسطينيين.

على السّاسة والنخب المخدوعة بالتطميع أو المرعوبة بتهديد جبهة الاستكبار والذين يخسرون فرصة الصحوة الإسلامية أن يخشوا ما وجهه الله سبحانه إليهم من تهديد إذ قال “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وبِئْسَ الْقَرَارُ”(12)

المسألة الرابعة: إن أخطر ما يواجه حركة الصحوة الإسلامية اليوم هو إثارة الخلافات ودفع هذا الحراك نحو صدامات دموية طائفية ومذهبية وقومية ومحلية. تتابع تنفيذ هذه المؤامرة اليوم أجهزة الجاسوسية الغربية والصهيونية بجدٍ واهتمام في منطقة تمتد من شرق آسيا حتى شمال أفريقيا، وخاصة في المنطقة العربية، بدعم من دولارات النفط والسّاسة المأجورين. وإن الأموال التي يمکن استخدمها في تحقيق رفاه خلق الله، تُنفق في التهديد والتكفير والاغتيال والتفجير وإراقة دماء المسلمين وإضرام نيران الأحقاد لفترات طويلة. أولئك الذين يرون في قوة اتّحاد المسلمين مانعاً لتطبيق أهدافهم الخبيثة رأوا في إثارة الخلافات داخل الأمة الإسلامية أيسر طريق لتنفيذ أهدافهم الشّيطانية، وجعلوا من اختلاف وجهات النظر في الفقه والكلام والتاريخ والحديث، وهو اختلاف طبيعي لا مفرّ منه، ذريعة للتكفير وسفك الدماء والفتنة والفساد.

إن نظرة فاحصة إلى ساحة النزاعات الداخلية تكشف بوضوح يد العدوّ وراء هذه المآسي. هذه اليد الغادرة تستثمر دون شك الجهل والعصبية والسطحية في مجتمعاتنا، وتصبّ الزيت على النار. إن مسؤولية المصلحين والنخب الدينية والسياسية في هذا الخضمّ ثقيلة جداً. فليبيا اليوم بشكل، ومصر وتونس بشكل أخر، وسوريا بشكل، وباكستان بشكل أخر، والعراق ولبنان بشكل، تعاني أو أنها عرضة لهذه النيران الخطرة. لا بدّ من المراقبة الشديدة والبحث عن العلاج.

من السذاجة أن نعزو كل ذلك إلى عوامل ودوافع عقائدية أو قومية. فالدعاية الغربية والإعلام الإقليمي التابع والمأجور يصوّران الحرب المدمّرة في سوريا بأنها نزاع سنّي شيعي، ويوفران بذلك مساحة آمنة للصهاينة وأعداء المقاومة في سوريا ولبنان. بينما النزاع في سوريا ليس بين طرفين سني وشيعي، بل بين أنصار المقاومة ضد الصهيونية وبين معارضي هذه المقاومة. ليست حكومة سوريا حكومة شيعية، ولا المعارضة العلمانية المعادية للإسلام مجموعة سنية، إنما المنفذون لهذا السيناريو المأساوي كانوا بارعين في قدرتهم على استغلال المشاعر الدينية للسذّج في هذا الحريق المهلك. وإن نظرة إلى الساحة والفاعلين فيها على المستويات المختلفة توضّح هذه المسألة لكل إنسان منصف.

هذه الموجة الإعلامية تؤدّي دورها بشكل آخر في البحرين في اختلاق الكذب والخداع. توجد في البحرين أكثرية مظلومة محرومة لسنوات طويلة من حق التصويت وسائر الحقوق الأساسية للشعب، وقد نهضت للمطالبة بحقها. ترى هل يصحّ أن نعتبر الصراع شيعيا سنياً لأن هذه الأكثرية المظلومة هي من الشيعة، والحكومة المتجبّرة العلمانية تتظاهر بالتسنّن ؟!

المستعمرون الأوربيون والأمريكيون ومن لفّ لفهم في المنطقة يريدون طبعاً أن يصوّروا الأمر بهذا الشكل، ولكن أهذه هي الحقيقة؟!

هذا ما يدعو جميع علماء الدين المصلحين والمنصفين إلى الوقوف أمامه بتأمّل ودقة وشعور بالمسؤولية، ويحتّم عليهم أن يعرفوا أهداف العدو في إثارة الخلافات الطائفية والقومية والحزبية.

المسألة الخامسة: إن سلامة مسيرة حركات الصحوة الإسلامية يجب أن نبحث عنها، فيما نبحث، في موقفها تجاه قضية فلسطين. فمنذ ستين عاماً حتى الآن لم تنزل على قلب الأمة الإسلامية كارثةٌ أكبر من اغتصاب فلسطين.

كانت مأساة فلسطين منذ اليوم الأول وحتى الآن مزيجاً من القتل والإرهاب والهدم والغصب والإساءة للمقدسات الإسلامية. وإن جوب الصمود والنّضال أمام هذا العدو المحارب هو موضع اتفاق جميع المذاهب الإسلامية ومحلّ إجماع كل التيارات الوطنية الصّادقة والسليمة.

إنّ أيّ تيار في البلدان الإسلامية يتناسى هذا الواجب الديني والوطني انصياعاً للإرادة الأمريكية المتعنتة أو بمبررات غير منطقية يجب أن لا يتوقع غير التشكيك في وفائه للإسلام وفي صدق ادعاءاته الوطنية.

إنّ هذا هو المحكّ. كل من يرفض شعار تحرير القدس الشريف وإنقاذ الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين، أو يجعلها مسألة ثانوية ويدير ظهره لجبهة المقاومة، فهو متّهم.

يجب أن تضع الأمة الإسلامية نصب عينيها هذا المؤشر والمعيار الواضح الأساسي في كل مكان وزمان.

أيها الضيوف الأعزاء.. أيها الإخوة والأخوات..

لا تبعدوا عن أنظاركم كيد العدوّ، فإن غفلتنا توفّر الفرصة للعدوّ.

إنّ درس الإمام علي (عليه السلام) لنا هو أنه: من نام لم يُنَم عنه.(13) وإن تجربتنا في الجمهورية الإسلامية مليئة بدروس العبرة في هذا المجال. إذ بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بدأت الحكومات الغربية والأمريكية المستكبرة التي كانت منذ أمد بعيد تسيطر على طواغيت إيران وتتحكم في المصير السياسي والاقتصادي والثقافي لبلدنا، وتستهين بالقوة الضّخمة للإيمان الإسلامي في داخل المجتمع، وكانت غافلة عن قوة الإسلام والقرآن في التعبئة والتوجيه، بدأت تفهم فجأة ما وقعت فيه من غفلة، فتحركت دوائرها الحكومية وأجهزتها الاستخبارية ومراكز صنع القرار فيها لِتَجبُرَ ما مُنيت به من هزيمة فاقت الحدود.

رأينا خلال هذه الأعوام الثلاثين ونيّف أنواع المؤامرات والمخططات، والذي بدّد مكرهم أساساً عاملان: الثبات على المبادئ الإسلامية، والحضور الجماهيري في الساحة.

هذان العاملان هما مفتاح الفتح والفَرَج في كل مكان. العامل الأول يضمنه الإيمان الصادق بالوعد الإلهي، والعامل الثاني سيبقى ببركة الجهود المخلصة والبيان الصادق. الشعب الذي يؤمن بصدقِ قادته وإخلاصهم يجعل الساحة فاعلة بحضوره المبارك. وأينما حضر الشعب بعزم راسخ، في أيّ ساحة، فستعجز أي قدرة عن إنزال الهزيمة به. هذه تجربة ناجحة لكل الشعوب التي صنعت بحضورها الصحوة الإسلامية.

أسأل الله تعالى لكم ولكل الشعوب أن يسددكم ويأخذ بأيديكم ويعينكم ويغدق عليكم شآبيب رحمته إنه تعالى سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى