تقارير خاصة

في موضوع الانتخابات: وصايا الشّيخ عيسى قاسم.. وأثر “الفؤوس” الخليفيّة

* إعداد هيئة التحرير

تتسارع الأحداث في البحرين، على مقربةٍ من الانتخابات البرلمانية التي يعتبرها عموم المواطنون “هزيلة” حتى قبل ميعاد انطلاقها في نوفمبر المقبل.

يتحدث محلّلون بأنّ وتيرة القمع الخليفي باتت كفيلة وحدها بترسيخ موقف المقاطعة، الذي يكاد يكون محلّ إجماع المعارضة البحرانية، وعدا عن القمع وإصدار قوانين منع الترشُّح على أعضاء الجميعات “المغلقة”؛ فإن النظام الخليفيّ أسهمَ أيضا في تسهيل الاقتناع بموقف المقاطعة الشعبيّة للانتخابات؛ من خلال فتح الباب لجيش من المترشحين الذين يفتقدون للكفاءة المهنية، وكثير منهم محاط بإشكالاتٍ مختلفة، بما في ذلك الإشكال الأخلاقي، ولاسيما مع دفْع “احتياطي” المجنسين لأداء دورهم المناط في هذا المجال.

أمام هذا المشهد، فإنّ العزوف عن المشاركة في الانتخابات سيكون هو المتوقع، وعلاوة على الشّكوك التي ستُحاط في نسبة المشاركة التي سيعلنها الخليفيون بعيد انتهاء “المسرحية”؛ فإن المتوقع أيضا أن تلجأ العصابة الحاكمة إلى تكتيكات مختلفة لزيادة هذه النسبة، بما في ذلك ترهيب الناس بالعقوبات وتخويفهم بإجراءات انتقامية في حال عدم المشاركة، فضلا عن الدّفع بالمجنسين، ولاسيما من خلال المراكز العامة التي ارتفع عددها هذا العام إلى 14 لجنة، وكلّها تقع في مناطق معروفة بكثافة تواجد المجنسين، بما في الجسر الرّابط مع السعودية، والمناطق الجنوبية، والمواقع الحكومية. ومن المعروف أنّ الأرقام التي تُعلن من صناديق المراكز العامة تكتنفها شكوك جدية، وهي غالباً ما تكون مرجّحة في نتائج الفوز وفي تصعيد أرقام المرشحين.

هذا على المستوى العام، إلا أن التفاصيل ستظل رهينة المتغيرات المتسارعة التي تتجهّز لها العصابة الخليفية، ومن غير المستبَعد أن تعمل على التنويع في تكتيكات “الجذب والطرد” أو “الترهيب والترغيب”، إلا أن المحاولات الخليفيّة ستتواصل أيضاً لأجل إيجاد “خرْق” في المجتمع المعارض، وخصوصا في الوسط الشيعي، لأجل دفعه للمشاركة في الانتخابات، وعلى النحو الذي يبدو بأنه خرجَ عن طوْق المعارضة، واختار الإنفكاك عنها، وهو توجّه مبيّت لدى العصابة منذ زمن، وقبل قيام ثورة فبراير، وانطلاقاً من المخطط الرّامي إلى تفتيت المعارضة الحقيقيّة، وإحداث المزيد من التشظي في بيئتها الطبيعية وأوساطها الحاضنة.

في المقابل، فإن المأزق الخليفي لن يكون هيّناً، فالوجدان الشعبي في البحرين باتت أكثر استثقالاً تجاه أي مشروع، أو خطوة، من شأنها تقريب المسافة مع نظام آل خليفة، بعد أن ارتفع جدار المفاصلة بين الجانبين، ولأسبابٍ كثيرة، وخصوصاً نتيجة تلطّخ أيادي النظام بأفظع الجرائم، وعلى رأسها التعدي على العقائد والشعائر الدّينيّة، والإعلان الصريح عن الحرب التي تستهدف وجود المواطنين الأصليين وهويتهم.

وإضافة إلى ذلك، وكما ذهب تيار الوفاء الإسلامي في بيان صادر في 13 نوفمبر 2017م، فإن النظام “لا يزال قابعاً في المأزق السياسي والاقتصادي”، وشدّد التيار على أن العصابة تعاني “من ثلاث أزمات حقيقية: دستورية، وأمنية واقتصادية”،  ورأى أنها “اليد التي توجع النظام”، مشددا في هذا اتجاه على أن مرحلة الانتخابات “الصورية” يمكن أن تمرّ بيُسر عبر تظهير تداعيات هذه الأزمات، مع ضمّها برفع منسوب الحراك الثوري في البلاد.

تذكار الشيخ عيسى قاسم: لا خيانة.. ولا للخزعبلات

من جانب آخر، يخشى بعض الناس مع غياب قوة دينيّة أو سياسية داخل البلاد، تتولى رافعة مقاطعة المشروع الخليفي، وفي هذا الإطار يستذكر البعض الموقفَ الواضح الذي سجّله آية الله الشيخ عيسى قاسم في موضوع الانتخابات، ومن ذلك ما قاله في خطبة يوم الثالث من أكتوبر 2014م، حين أكّد بأن الانتخابات التي كان يُدعى إليها آنذاك “لا تنتمي إلى الديمقراطية”.

ومن المفيد هنا استذكار لعبة الأكاذيب التي اشتغل عليها النظام آنذاك، ومن ذلك ما زعمته صحيفة “الوطن” الحكومية، التي ادعت بأن مسؤولين في السفارة الإيرانية في المنامة، التقوا بالشيح قاسم في منزله، وأن اللقاء انتهى بحسم موقف المشاركة في الانتخابات. وقد استهزأ الشيخ قاسم في خطبته بهذا الخبر الكاذب.

وقد أخذ الشيخ قاسم موقفاً أكثر حسماً في خطبة يوم الرابع من يوليو 2014م، حينما وصف المشاركة في الانتخابات بأنها “خزعبلات”، وأكّد بأن الشّعب لا يمكن أن يُخدَع بها.

في الخطبة نفسها، كشف الشيخ قاسم بأنّ الجمعيات السياسية واجهت ضغوطا “خارجية” لدفعها للمشاركة في انتخابات ذلك العام، ودعاها في المقابل إلى ممارسة “الضغط الحقيقي على السلطة”.

كذلك، تضمنت خطبة الشيخ قاسم هذه على مفردات هامة على صعيد المفاصلة مع مشروع المشاركة، وبينها مفردات يحاول البعضُ أن يُشنّع بها المعارضين للانتخابات، حيث استعمل الشيخ مفردة “الخيانة” في سياق تأكيده على أن “المعارضة لا يمكن لها أن تخون الشعب”، في معرض مقاطعتها للانتخابات. كما استعمل الشيخ معجماً مهماً في هذا الشأن، ومنه “التضحيات” و”الاستغفال” و”الهزلية”، فقال بأن المعارضة “لا يمكن أن تخون الشعب، ولا التضحيات السّخية التي قدمها من أجل التغيير والخروج من الوضع الظالم إلى عالم من العدل”، كما أن الشعب والمعارضة لا يقبلان الاستغفال، ولا المجاملة “على حساب الحقّ الثّابت”، وهما لذلك “غير مستعدين لدخول مجلس نيابي يعرفان أنهما سيخرجان منه لهزليته وأنه مجلس السلطة لا مجلس الشعب”، على حدّ تعبير الشّيخ قاسم في خطبته التي ختمها بقوله أن حكومةً تفعل كلّ ذلك تُصبح دعوتها للمعارضة بالمشاركة في الانتخابات “دعوة ساخرة هازئة، لا يمكن أن يُستجاب لها”.

أثر الفؤوس الخليفية: الشرط الحتمي

بالعودة إلى الخشية المشار إليها، فإنّ غياب الشيخ قاسم عن هذا المشهد، لا يمكن أن يكون سبباً في تهوين الرؤية التي شدّد عليها سماحته حتى آخر اللحظات، وقُبيل إحكام الحصار عليه في منزله ببلدة الدراز، وتشديد الخناق على وجوده وصحته، وإلى أن تدهور حالته. فالإرث لازال قائماً، وهو غير منسوخ البتة، وهو جاهز لأن يكون مادةً للاحتجاج والحجاج في وجه الذين يدفعون للدخول في “العملية السياسية” من خلال البرلمان المقبل، وخصوصاً وأن هذا البرلمان لم يتغيّر حاله السيء، كما أنّ السياق الموضوعي، وصانعي هذه العملية؛ ازدادوا في سوئهم وجرائمهم، وأضافوا إليها المزيد ممّا تنطبق عليه كلُّ الأوصاف التي أطلقها الشيخ قاسم على السلطة على امتداد الخطب التي ألقاها بعد فبراير 2011م، وإلى أن تغيّب عن منبره في جامع الإمام الصادق بالدراز.

ومن المهم أن يتم تقديم الواقع الراهن المتضخّم بالفساد والاستبداد والجرائم؛ باعتباره الدليلَ الدامغ على أنّ النظام الخليفيّ لا يمكن أن يسلك طريقاً آخر، أو يجري “عملية جراحية” لإصلاح نفسه، كما أنّ المشاركة في برلمانه؛ لن يكون له أيّ أثر في تضميد الجراح، ولا في تسريب قناعة إلى النظام بأن يقدّم تنازلاتٍ تمهّد الطريق لما يُسمى بالحوار وبالتالي المصالحة السياسيّة!

ومن الخطأ أن يعتقد البعض أن ملف “أثر الفؤوس” الدامية للنظام الخليفي؛ لا علاقة له بتحديد الموقف السياسيّ منه، أو في تحديد رؤية التعاطي معه. فهذا الملف ترتكز عليه كلّ المتغيرات، وعلى أساسه تتكوّن القناعات، وتُرسم السياسات والمواقف. ويمكن الاستشهاد في هذا الجانب بتجارب الدّول التي وضعت ملف “العدالة الانتقالية” و”إنصاف الضّحايا” مقدّمةً ركيزة في تحوّلاتها نحو الديمقراطية والشراكة الحقيقيّة بين السلطة والشّعب، حيث لا يمكن بناء أي شكل سياسي للدولة الديمقراطية، أو إضفاء المصدافية على التحوّل نحو الديمقراطية؛ إلا بإرساء اتفاقات كاملة بشأن ملف الإنصاف والانتصاف، وهو ما لا يقبل به النظام الخليفيّ، جملةً وتفصيلاً، مع إنكاره لتفاصيل الجريمة، وتحمُّل المسؤولية، ورميها فوق ذلك بالضحايا.

ولعل جزءا من المهام التي ينبغي العمل عليها، وبشكل مهني أوسع، هو تحريك ملف “أثر الفؤوس الخليفية” أكثر فأكثر، وتوجيهه صوب عيون وآذان الذين يدّعون أن “معجزة” يمكن أن تتحقق في حال الدخول إلى البرلمان وإعطاء النظام الخليفيّ “القبول والرضا” بالمشاركة في مشروعه الذي لم يكن يوماً إلا تخريبياً وتدميرياً، ودموياً أيضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى