أخبار وفعالياتثقافية

نص حديث ليلة الجمعة لسماحة السيد مرتضى السندي

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله رب العالمين

أفضل الصلاة والسلام على خير الأنام محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

أبارك لكم حلول شهر رجب الأصب.

الحياة عبارة عن فرص إما يستفاد منها أو فائتة توجب الحسرة والندامة للإنسان.

يروى أن قافلة من الجيش قد مروا في ليلةٍ ظلماء على أرضٍ من الأراضي فأمرهم قائد الجيش بأن كل شخصٍ منكم يقوم بجمع الحجارة الموجودة بالقدر المستطاع، فتكاسلوا الجنود وتفاوتوا فالبعض منهم رفع بعض الحجارة لرفع العتب والبعض منهم ملأ جيبه وصعد فرسه وذهب، والآخر ملأ جيبه والجيب الذي على الفرس وذهب، والآخر قام بملأ جيبيه والجيبين اللذَين على الفرس بالحجارة وانطلقوا حتى حلّ الصباح، حينما طلعت الشمس وأشرقت بنور ربها؛ نظروا إلى هذه الحجارة وإذا بها مجموعة من الجواهر، خاطبهم قائد الجيش بقوله: كل من أخذ هذه الجواهر فإنها له. فأصيب الجيش أكمله بالحسرة والندامة لأن من لم يأخذ من هذه الحجارة التي هي الجواهر انتابته حسرة كبيرة بأن كيف كانت لي فرصة كبيرة ولم أغتنمها لكي أجمع هذه الجواهر وأستفيد منها في حياتي، أما الذي أخذ مجموعة من الحجارة قال: ليتني أخذت أكثر من ذلك، فالفرصة كانت مؤاتية ولكن بسبب جهلي لم آخذ من هذه الجواهر ما ينفعني في دنياي، لذلك عاش هذه الجيش نوعاً من الحسرة والندامة.

يقول أمير المؤمنين(ع): «الفرص تمر مرّ السحاب، فاغتنموا فرص الخير» حينما يكون الإنسان متأهباً ومتيقظاً ومستعداً فإنه يستفيد من هذه الفرص التي تمر عليه، ولكن عندما يعيش الإنسان الغفلة والسهو واللغو تمر عليه هذه الفرص دون أن يستفيد منها بالشكل الصحيح والذي يتناسب مع هذه الفرص، الجنود لم يأخذوا من الجواهر لأنهم كانوا يعتقدون بأنها حجارة؛ جهلهم بقيمة ما يأخذونه من الأرض جعلهم لا يغتنموا الفرصة في أن يأخذوا ما يستفيدون منه حد كفايتهم أو استطاعتهم.

نحن في هذه الدنيا كهذه القافلة، تمر علينا الكثير من الفرص ولكن إما بجهلنا بقيمة هذه الفرص، وإما بسبب غفلتنا وسهونا وعدم استعدادنا فإنها تفوتنا وتتملكنا الحسرة والندامة، لقد جعل الله سبحانه وتعالى بعض الأماكن والأزمان فيها خير وبركة كثيرة جداً بحيث إننا حينما نترك هذا المكان تذهب من أيدينا الفرصة، مثلاً بيت الله الحرام؛ قد يوفق الإنسان لزيارة بيت الله الحرام وهناك من يصلي ركعتين يحصل على أجر من يصلي مئة ألف ركعة في غيره من الأماكن، أو الصلاة في المسجد فإنها تختلف عن الصلاة في البيت، ولدينا روايات أيضاً عند الصلاة في مسجد السهلة، وغيرها من الأماكن التي جعل الله سبحانه وتعالى البركة والفضل فيها وجعلها مباركة وتفوق الأماكن الأخرى في الأجر والثواب، هذا بالنسبة إلى الأماكن.

أما بالنسبة إلى الأزمان، من الممكن أن يعمل الإنسان بنفس العمل ولكن في زمانٍ آخر ويحصل على أجر وثواب كبير جداً، نحن نرى في الأسواق بأنه في فترة من الزمان يعطون تخفيضات خاصة عند شراء الأجهزة الالكترونية والملابس والأغذية وغيرها، فيخفضون قيمة الأسعار من 100% إلى 30-50-70% ونجد بأن الناس يتسابقون في الذهاب إلى هذه الأماكن للشراء بقيمة أقل، وتعتبر فرصة، وذهاب الفرصة غصّة، لكن من لا يعلم بهذه التخفيضات فإنه لا يوفق للاستفادة من هذه التخفيضات بسبب جهله.

لقد قدّم الله سبحانه وتعالى أزماناً محددةً وقال لنا إن قمت بهذه الأعمال في هذا الزمن يكون أجرك مضاعف عن قيام بنفس هذا العمل في وقتٍ آخر، مثل تلاوة القرآن في وضح النهار وأثناء السحر؛ فإن تلاوة القرآن أثناء السحر يكون له أجر مضاعف وأكبر، ومثال آخر هو ليلة الجمعة فالأجر والثواب للدعاء في غيره يختلف عنه، فالدعاء في ليلة الجمعة له أجر وثواب مضاعف عن غيره من الليالي، ليلة النصف من شعبان أيضاً، وليلة القدر الشريفة التي عبّر عنها القرآن (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، هناك روايات كثيرة، فإذا أردنا أن نحصي الأزمان التي باركها الله سبحانه وتعالى وجعل الأعمال فيها عظيمة والدعاء مستجاباً فإنها كثيرة جداً.

من هذه الأزمان هو هذا شهر الكريم، شهر رجب الأصب من الشهور التي باركها الله سبحانه وتعالى لنا وجعل الدعاء فيها مستجاباً والأجر والثواب في هذه الأيام يتضاعف، وهناك أعمال خاصة وروايات ذكرها أهل البيت عليهم السلام عن فضل شهر رجب، اغتنم هذه الفرصة ولا أطيل عليكم بقراءة بعض الروايات التي تتكلم عن فضل شهر رجب وبعض الأعمال الخاصة:

في فضل شهر رجب روي عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: إن رجب شهر الله العظيم، لا يقاربه شهرٌ من الشهور حرمةً وفضلا، والقتال مع الكفار فيه حرام.

وأيضاً قال (ص): “ألا إن رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي، ألا فمن صام من رجب يوماً استوجب رضوان الله الأكبر، وابتعد عنه غضب الله وأغلق عنه باب من أبواب النار.”

هذا يوم واحد من صيام شهر رجب يستوجب رضوان الله ويبعد عنه غضب الله ويغلق عنه باب من أبواب النار.

وعن الإمام الكاظم(ع) أنه قال: “من صام يوماً من رجب تباعدت عنه النار مسير سنة، ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة.” هذه فرص لا توجد في غيرها من الأوقات. عندما نأتي لزمن غير شهر رجب نجد بعض الأعمال المستحبة ولكن هناك ميزة لشهر رجب لأداء هذا العمل وهو الصيام.

وقال أيضاً(ع): رجب نهرٌ في الجنة أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، من صام يوماً من رجب سقاه الله عز وجل من ذلك النهر. يعني صوم يوم واحد يوجب أن يُسقى من ذلك النهر في الجنة.

وعن الإمام الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): “رجب شهر الاستغفار لأمتي”. إذاً المستحب الأول الذي يتضاعف فيه الأجر والثواب هو الصيام، والمستحب الثاني هو الاستغفار، قال (ص): “رجب شهر الاستغفار لأمتي فأكثروا فيه الاستغفار فإنه غفور رحيم”، ويسمى رجب الأصب لأن الرحمة تصب على أمتي صباً فيه، فاستكثروا من قول أستغفر الله وأساله التوبة. يجب علينا طوال شهر رجب أن نقول: “أستغفر الله وأساله التوبة” لكي يصب الله سبحانه وتعالى رحمته علينا.

وروي عن ابن بابويه بسندٍ معتبر عن سالم قال: دخلت على الصادق (ع) في رجب وقد بقيت منه أيام، فلمّا نظر إلي، قال لي: “يا سالم هل صمت في هذا الشهر شيئاً؟” – الإمام ليس فقط يغتنم الفرص بل يقوم بتنبيه أصحابه أيضاً – قلت: لا والله يا بن رسول الله، فقال لي: “فقد فاتك من الثواب ما لم يعلم مبلغه إلا الله عز وجل” – يعني لا أحد في الدنيا يعلم مدى الثواب الذي فاتك، حريٌّ به أن يتحسر ويعيش الغصّة أم لا؟ – إن هذا شهر قد فضّله الله، وعظّم حرمته، وأوجب للصائمين فيه كرامته، قال: فقلت له: يا بن رسول الله فإن صمت ممّا بقي منه شيئاً، هل أنال فوزاً ببعض ثواب الصائمين فيه؟ فقال: “يا سالم من صام يوماً من آخر هذا لشهر كان ذلك أماناً من شدة سكرات الموت، وأماناً له من هول المطلع وعذاب القبر، ومن صام يومين من آخر هذا الشهر كان له بذلك جوازاً على الصراط، ومن صام ثلاثة أيام من هذا الشهر أمن يوم الفزع الأكبر من أهواله وشدائده وأعطي براءة من النار.”

هذه بعض الروايات التي تتحدث عن نوعين من العبادة قدمهما الله في شهر رجب ليكونا فرصة، إذا الآن تهيأنا واستعدينا فمن الممكن أن نغتنم هذه الفرصة، أما إذا غفلنا، وهنا هي مصيبة الإنسان؛ إذا يغفل أو يسهو تمر هذه الفرص مرّ السحاب وتذهب من أيدي الناس، ويتلبس الإنسان بلباس الندم والحسرة كما حصل للقافلة التي مرت بالجواهر ولم تأخذ ما تكفيها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. بسم الله الرحمن الرحيم (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبرْ) هذا الزمن يمر؛ تغمض عينيك وتفتحه ترى بأنك في شهر شعبان، ومن ثم تقوم بتغميض عينيك مجدداً وتفتحه وترى بأن شهر رمضان انتهى ولم نغتنم الفرص، لذلك واجبٌ علينا أن نتواصى بالحق؛ أنا أذكرك وأنت تذكرني، أنا أشجعك وأنت تشجعني، لعل وعسى أن نستفيد من هذه الفرص وهذه الموائد التي أنزلها الله علينا في هذه الأزمان التي باركها الله سبحانه وتعالى.

هناك أدعية خاصة لشهر رجب هي عبارة عن توبة واستغفار وإنابة وتربية معنوية وروحية، أدعو نفسي وأدعوكم إلى اغتنام هذه الفرص الثمينة التي هي فرص الخير كما قال أمير المؤمنين(ع): الفرص تمر مرّ السحاب، فاغتنموا فرص الخير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى