أخبار وفعالياتثقافية

كلمة سماحة السيد مرتضى السّندي تحت عنوان “معيّة الله”، في مركز الإمام الخميني “قدس سره” بتاريخ ٢٠ يناير ٢٠٢٠م.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

وأفضل الصلاة والسلام على خير الأنام محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

السلام عليكم أيها الأخوة الأعزاء ورحمة الله وبركاته

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

في كل الصراعات على طول التاريخ كانت هناك فئتان، الفئة الواثقة بوعد وتسديد وهداية الله، والفئة اليائسة المحبطة التي توجد اليأس والإحباط والشلل في جسد الأمة، في الصراع السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والتكنولوجي وغيره.

في كل الصراعات هناك فئتان، فئةٌ تقول بأننا لا نستطيع مواجهة العدو، والعدو أقوى منا وإمكاناتهم أكبر منا بالسلاح والمعدّات والتكنولوجيا، وفئةٌ أخرى تقول “كلاّ”، إن معي ربي سيهدين، ما دمنا مع الله ونسير في خط الله ونخلص لله سبحانه وتعالى فإن الله سيأخذ بأيدينا وسيهدينا إلى سواء السبيل.

الفئة الأولى المحبطة اليائسة هي التي توجد في جسد الأمة الشلل والخمول والضعف والتراجع والوقوف عند حدها، أمةٌ مرتجفة مترردة خائفة يائسة، لذلك المحبطون واليائسون والضعفاء دائماً يعيقون حركة الأمة في الوصول إلى أهدافها.

أما الفئة الواثقة بالله وبوعد الله، الأمة المؤمنة التي يتملك الإيمان على قلبها وعقيدتها وفكرها فإنها تبعث في الأمة روح النشاط والعطاء والتضحية والفداء، وهي التي تولّد الشهداء تلو الشهداء، وهي التي توصل الأمة إلى أهدافها ومبتغياتها.

ماذا كان يمتلك موسى عليه السلام؟ هل كان يمتلك ترسانةً عسكرية توازي ترسانة فرعون؟ هل كان موسى يمتلك جيش قوي مجهز من خلاله يستطيع أن يواجه فرعون؟ كلا، كل ما كان يمتلكه موسى هي عصا التي سأله الله سبحانه وتعالى عنها عندما أرسله للنبوة: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) ، بتلك العصا الله سبحانه وتعالى فتح له الطريق وهداه السبيل حيث قال له: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) ، الله سبحانه وتعالى إذا وجد عندنا الإيمان والصدق والإخلاص سيفتح لنا أبواب النصر والعزة والكرامة بقلة الإمكانيات، لا نحتاج إلى سلاح يوازي سلاح العدو، ولا نحتاج إلى جيشٍ يوازي جيش العدو، ولا نحتاج إلى إمكانات توازي إمكانات العدو، لذلك انظروا إلى آيات الله ودققوا في كلماتها، عندما وجّه الله سبحانه وتعالى الخطاب للمؤمنين قال لهم: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) ، قد لا تستطيع الأمة أن تهيأ الإمكانات التي توازي العدو ولكن على الأمة أن تبذل جهدها وتتكل على الله وتستعين بالله والله سيهديها، لذلك قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ، الذي يجاهد في الله مخلصاً صادقاً لله وفي الله، الله يحييه ويأخذ بيده ويرشده وينصره كما فعل بموسى وأصحاب موسى.

نحن نرى كيف الأمم التي يوجد فيها شخصٌ واحدٌ واثقٌ بالله، مؤمنٌ بوعد الله، صادقٌ مع الله، كيف يبعث في هذه الأمة النشاط والحيوية والقوة والعزة والكرامة، وهذا ما رأيناه في كل المعارك والمواجهات والصراعات.

نحن اليوم نعيش أجواء شهادة الحاج القائد قاسم سليماني، في كل الساحات والميادين التي كان يمتلك فيها أعداء الأمة والإسلام إمكانيات عالية وكبيرة جداً، عندما يحلّ الحاج قاسم سليماني فالأبواب تفتح والنشاط يدب في أرواح المجاهدين وفي قلوب المجاهدين وترى قوةً معنويةً وروحيةً تبعث في روح المجاهدين حتى يواجهوا العدو ويحققوا النصر، مؤمنٌ واحدٌ مخلص، مجاهدٌ صادق مع الله سبحانه وتعالى يمكن له أن يبعث الحياة في الأمة، وهذا ما وجدناه في قصة موسى عليه السلام.

الأمة وأصحاب موسى عندما وجدوا بأن جيش فرعون يقترب منهم أصيبوا بالإحباط واليأس، قد تتحول الأمة المحبطة وضعيفة الإيمان واليائسة إلى أداةٍ في يد العدو، يشلها العدو بل قد يستخدمها ويستغلها في أهدافها التي تنشد إليها، ولكن حينما يكون موسى في وسط هذه الأمة فإنه يبعث النشاط والحيوية والتفاءل والأمل وروح الصمود والتحدي والتضحية في هذه الأمة.

اليوم يظن المستكبرون أنهم بقتلهم لهذا القائد الكبير الحاج قاسم سليماني قد قتلوا في الأمة روح الأمل والعطاء، وما علموا بأن بهذا الصاروخ الذي ضربوا فيه الحاج قاسم وفتتوا وناثروا أعضائه وكأن روح الحاج قاسم سليماني قد تناثرت لتزرع في جسد الأمة وروحها؛ لتنهض الأمة مقاومةً وصموداً وتنهض روح التضحية والشهادة، وها هي الأمة اليوم نجدها تتمرد على كل الطاقات والأسلحة والعتاد والجبروت الأمريكي.

نحن نرى اليوم ما حصل في العراق، كيف نهضت الأمة وقررت بأن لا وجود للأمريكي في العراق، لأول مرة تجتمع هذه الأمة بهذا الحجم لرفض الوجود الأمريكي في العراق، وهذا كله من بركات هذه الدماء الزكية الطاهرة للقائدين الكبيرين الحاج قاسم والحاج أبو مهدي المهندس، هذه الدماء الزكية عندما تناثرت صبغت روح الأمة بروح الشهادة والتضحية والفداء والعطاء مما جعلت الأمة تحيى من جديد، ليس الأمر محصوراً في العراق أو إيران، اليوم نحن نجد بأن كل الأمة من أولها إلى آخرها كلها استعدادٌ للشهادة والعطاء والتضحية والفداء وكلها غضبٌ وحنقٌ ضد الوجود الأمريكي في المنطقة.

إن العدو أخطأ عندما ظن بأن بقتله للحاج قاسم سليماني بأنه سيقتل روح المقاومة، بل ولدت في الأمة روح للمقاومة سوف تطرد الأمريكان من المنطقة بأكملها وهذا ما ستترجمه الأيام.

نحن كنا ولا زلنا نقرأ آيات القرآن الكريم الذي يقول فيها الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ، ما الذي يتم تغييره؟ تغيير ما في النفس وهو الإيمان والإخلاص وروح الاستعداد للتضحية والفداء من أجل الدين، وهذا الذي وجدناه اليوم في الأمة، كان الحاج قاسم مجهولاً عند عوام الناس، ولم يكن الناس يعرفوا الحاج قاسم سليماني ، ولكن بشهادته قد تعرّفت كل الأمة على ذلك الرجل المخلص الشجاع المقدام المضحي، لذلك اقتبست كل الأمة من روح هذا الرجل العظيم.

نسأل الله سبحانه وتعالى للحاج قاسم وللحاج أبو مهدي المهندس ولبقية الشهداء الذين استشهدوا معهم الرحمة والرضوان وأن يحشرهم الله مع الحسين وأصحاب الحسين “عليهم السلام”، ونسأل الله أن يفرج عن أمتنا وأن يوجد في الأمة روح الشهادة والعطاء والتضحية، فهي السلاح التي من خلاله نستطيع أن نتغلب على كل التحديات مهما عظمت ومهما كبرت، فإن الله سبحانه وتعالى إذا وجد فينا التغيير وروح الإخلاص والعطاء والتضحية والفداء، وأن نفسنا لا يخالجها اليأس والضعف والإحباط بل يخالجها الثقة بوعد الله، حينها سيأخذ الله بأيدينا وسنقول كما قال نبي الله موسى عليه السلام: (كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) .

النقطة الأخيرة وأختم بها هذا الحديث وهي، كيف يكون الله معنا؟ يجيب الله سبحانه وتعالى: (من كان مع الله كان الله معه)، المسألة بأيدينا، إذا كنا مع الله وأخصلنا لله وضحينا في سبيل الله وأطعنا وعبدنا الله وتواضعنا لأحكام الله وعشنا العبودية لله وكنا قريبين مع الله، حينها سيكون الله معنا، وإذا كان الله معنا، فلا أمريكا ولا إسرائيل ولا كل قوى الشر والاستكبار يمكنهم أن يهزمونا أو يضعفونا أو أن يدخلوا اليأس في نفوسنا وأرواحنا.

نسأل الله سبحانه وتعالى الرحمة للشهداء والفكاك والخلاص للأسرى والنصر للمؤمنين إنه عزيزٌ قدير وصل اللهم على محمدٍ وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى